بسم الله الرحمن الرحيم


مــدخـــل

عندما تشعر بأن هناك من يقرأ ما تخطه يمينك، و يسأل عن قلمك إذا اعتلاه الغبار، و يخبرك - بكل صدق - بأن ما تكتبه يهمه ... حينها، لا بد أن يجود قلمك بشيء، عرفانا بجميل السؤال و جمال السائل!

10 أكتوبر 2009

فلسطين ... نواة الثورة العربية

لم يتوقع أحد بأن يتطور الفساد الأخلاقي والمنهجي والمالي للسلطة الفلسطينية الحالية بقيادة أبو مازن إلى درجة من انعدام الضمير بحيث تستبيح وطنا بأكمله. إثنان وستون عاما منذ بداية النضال والفداء والتضحية للقضية الفلسطينية ولم تكن هناك فرصة أقرب من هذه لإدانة العدو الصهيوني في المحافل الدولية، ثم يأتي أبو مازن ويقرر سحب تقرير جولدستون من طاولة مجلس حقوق الإنسان بجرة قلم وفاكس مرسل إلى مندوبه في الأمم المتحدة، متنكرا بذلك لأرواح الآلاف من الشهداء الذين لم ينصفهم التاريخ ولم تنصفهم المحافل الدولية إلا في هذه المرة اليتيمة. هذه الفرصة أُجهضت حماية لقيادات العدو الصهيوني بيد مَن مِن المفترض أنه أمين على القضية الفلسطينية.

ليس الهدف من هذه المقالة الاستطراد في ذكر الخسارة التي مني بها الشعب الفلسطيني بسحب التقرير وكم من الضرر ألحق هذا بقضيته سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الرسمي، ولكنه لإحالة النظر إلى ما يمكن للفساد أن يفعله عندما تتقاطع المصالح الشخصية والعامة. فالسيد محمود عباس كان بين خيارين، أن يسلم التقرير ويتحمل تبعات نشر فضيحة تواطئه مع الإسرائيليين في حرب غزة، أو أن يسحبه ويضيع على آلآف الشهداء من النساء والأطفال استرداد حقوقهم بمحاسبة المجرمين ووضعهم تحت المساءلة القانونية الرسمية. والخيار لم يكن صعبا كما يبدو!

النهج العام لحكام الدول العربية ليس أقل سوءا من نهج السيد محمود عباس. فالبقاء على سدة الحكم أطول فترة ممكنة لم يبق حلما فقط، ولكنه واقعا معاشا يتمتع به الحكام يوما وراء الآخر وليست هناك تحديات حقيقية تواجههم. فأمريكا - حمامة الديموقراطية - قد عدلت عن هذا الخطاب بعدما رأت نتائجه في فلسطين وقبله في الانتخابات البرلمانية في مصر ، بل وطمأنت الحكام بعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان بأنها - والكلام لكونداليزا رايس: تتفهم بطئ التحول الديموقراطي في مصر! ولم تبخل هيلاري كلينتون بتصريح شبيه للتأكيد على أن الإدارة الأمريكية ما باتت مهتمة بالتغيير الديموقراطي كما كانت في السابق. ومن جانب آخر فإن حركات التحرر العربية ماتت واقعيا وأيديلوجيا، فليست هناك قوى حقيقية تطالب بالتغيير والإصلاح. بل حتى التحركات التحررية أصبحت مستهجنة في الوعي العام، وما الاستنكار العربي العام لمطالبات جنوب اليمن بالانفصال - بسبب الفساد الذي لحقهم - إلا دليل قاطع على أن الجو العام هو جو الرضوخ التام والرضى بالأمر الواقع والخضوع بانكسار أمام الرأي الفقهي القائل بوجوب طاعة ولي الأمر ... وإن كان ظالما!

نعود إلى محمود عباس والشعور العام بالاحتقان والغضب العارم الذي أجج الشارع العربي عموما والفلسطيني خصوصا ضد السلطة الفلسطينية. فالحقيقة لم تكن أوضح مما هي عليه اليوم: الفساد ليس له آخر والسكوت عنه جرّأه على الوطن وحقوق أحيائه وأمواته، الخط الأحمر الذي لم يفشل يوما في تحريك الشعوب. الشرعية التي اختاراها السيد محمود عباس لا تختلف كثيرا على الشرعية التي يستند عليها معظم حكام الدول العربية: القوى الخارجية والزمرة المحيطة المستفيدة من وضع الفساد. ولذلك فهي في جوهرها لا تختلف كثيرا عن السيد محمود عباس الذي انكشف على الملأ، وإلا فما الفرق بينه وبين من رهن أمر موارده و ثرواته لرغبات الإدارات الأمريكية أو البريطانية المتعاقبة؟ وما الفرق بينه وبين من باع للصهاينة ماء النيل سرا؟ أو ذاك الذي أباح أبنائه لصواريخ وقاذفات الترسانة العسكرية الأمريكية؟!

الفساد لا يعني الاختلاس فقط، ولكنه استعباد العباد والاستبداد في الرأي ويكون حاصله هدر حقوق المواطن وضياع الوطن خطوة بعد أخرى ويوما بعد آخر. ليست هذه أولى أخطاء السيد محمود عباس ولا ينبغي لنا أن نتوهم بأنها ستكون آخرها، فما هذه إلا نتيجة طبيعية للمسار الذي اتخذته سلطته الدايتونية والتي ستتبعها خطوات أخطر على القضية الفلسطينية.، هذا ما لم يقف أبناء فلسطين الأحرار في وجهه كما فعل أبناء غزة الذين لم يرضوا الضيم والظلم فثاروا على تلك السلطة فحصدوا استتباب الأمن والاستقلال بالقرار في غزة، والمفارقة الغريبة العجيبة هي أنه في حين سحبت السلطة التقرير بكل ذل كانت حماس تستقبل ٢٠ أسيرة مقابل تسجيل قصير لجلعاد شاليط، فشتان بين الإثنين.

الأمر مع الشعوب العربية لا يختلف كثيرا وخياراتها محصورة، فهي إن صمتت اليوم فستتجرع غدا ما تتجرعه فلسطين وأهلها من ظلم ومشاعر الحنق والمرارة والغضب. وإن هي ثارت فلربما تجني ما جنته الشعوب الأخرى في ثوراتها المختلفة من تحرير للإنسان وارتقاء بالوطن. فهل تفيق هذه الشعوب على حلم الثورة؟ وهل ستكون فلسطين ومثالي غزة والضفة نواة للثورة العربية المرتقبة؟ ...ربما!

12 سبتمبر 2009

دستور العقل


أحد محاور الخلاف في الساحة الإباضية اليوم هو العقل وضوابط استخدامه. وبغض النظر عن التفسيرات المختلفة لماهية العقل وكيف يمكن كبح جماحه دون إقصائه أو إطلاقه دون انفلات لجامه، فإنني موقن بأن هناك ما يمكن اعتباره دستورا يحل الإشكال و يوجه الأنظار والنقد إلى نتاج العقل لا إلى كيفية استخدامه ونتجاوز بذلك جدلية العقل لننتقل إلى "الفكرة" ننقدها في ذاتها ونرى مدى توافقها لقواعد الدين وأصوله.

وقعت صدفة على كلام لسماحة الشيخ في تقريظ له لأحد الكتب، كان قد كتبه قبل أكثر من عشرين عاما، أي قبل أن يكون للخلاف الحالي أثر في حكمه على الأمور. فقيمته - في رأيي - أنه كلام أصيل، أي أنه قيل توضيحا لمنهج لا ردا على شبهة، ولا يستطيع أحد اعتباره ردة فعل "غير متوازنة"، بل هو نهج واضح المعالم محكم البنيان سار عليه أسلافنا الأخيار، وهو قائم على أسس قرآنية متينة وقواعد أصولية ثابتة.

أقول بأن كلامه يمكن أن يعتبر دستورا لما فيه من اختصار و ما يحويه من منطق، ولأنه استقاء مباشر من منهل النصوص الشرعية، وهو - قبل كل شيء - التزاما بنهج ومنهج الأوائل. فليتنا نعيه ونلتزم به عملا وفكرا. وأتمنى أن يكون سببا في تجاوز الإشكالية ومنطلقا لإعمال العقل فيما يهم الأمة ويشغل بالها لاستخراجها مما هي فيه ودفعها نحو الأمام فكريا واجتماعيا واقتصاديا وفلسفيا.

يقول سماحة الشيخ:

"وإن من يمعن نظره في التراث الإباضي الفكري - متجردا عن العوامل النفسية، والمؤثرات الوراثية - يدرك كل الإدراك أن الإباضية أكثر فئات هذه الأمة اعتدالا، وأسلمها فكرا، وأقومها طريقا، وأصحها نظرا، وأصفاها موردا ومصدرا.

فهم لم يُلقوا بالعقل في زوايا الإهمال لأن الله خاطب بوحيه أولى الألباب ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة، ونادى عليهم بالخذلان، وسجل عليهم بالخسران، كما هو واضح في كثير من آيات الفرقان. غير أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه، ولم يعطوه أكثر مما يستحق، فلم يؤثروه على النص، وإنما جعلوه وسيلة من وسائل فهم مراده، وتعيين مقاصده، قطعا أو ظنا، وهم في كل ذلك ينطلقون من فهم عميق للغة النص التي تستخدم تارة في حقيقتها وأخرى في مجازها حسبما تقتضيه أصولها مراعين في ذلك جميع القرائن والأحوال التي تعين على تشخيص المراد".

انتهى كلام الشيخ وكلامه واضح لا يحتاج إلى تأويل، فالمقصود بـ"النص" - أي القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة - واضح، والهدف من فهم مراد "النص" وتعيين مقاصده أيضا واضح. فليتنا نعض على هذا الدستور بالنواجذ وننطلق منه لاستكشاف حِكَم القرآن ومكنونات الأرض و أسرار السماء بدلا من البحث عن الزلات، ولوم هذا وذاك، ونعت بعضنا البعض بما لا يرضي الله، ولا يأتي سوى بالضغائن، ويؤدي إلى تشتيت و تشويش أولوياتنا الفكرية و الدعوية و الخطابية، فتزل أقدامنا بعد ثبوتها ويذهب ريحنا ويندرس في النهاية ذكرنا.

أخيرا أقول، أن أستخدم عقلي ثم أكتشف خطئي، خير لي من أن لا أستخدمه على الإطلاق!

11 سبتمبر 2009

رواية شيكاجو


لا أذكر بأنني قرات رواية ذات أربع نهايات كلها مؤسفة ولا تحمل بارقة أمل أو سعادة فيها اللهم إلا هذه الرواية ... رواية "شيكاجو" لعلاء الأسواني.

تتحدث الرواية عن بعض المفارقات التي نجدها في دواخل الناس، الطلبة - عمود المجتمع - الذين يدرسون في الخارج تحديدا. صوَّرهم علاء الأسواني بعدستين. الأولى تحكي تصرفاتهم اليومية الظاهرة للكل، و الثانية حقيقة ما يفكرون به أو ما يقومون به في الخفاء أو من خلف ستار دون تأنيب من ضمير ولا شعور بالخجل. بدا وكأن الرسالة التي أراد إيصالها الأسواني من خلال أحداث الرواية هي أن الكل - مهما بدا نقاؤه- يحمل في طيات نفسه ما يخالف ظاهره، ويتناقض معه، وبالتالي فإن كل من يدعي طهارة المجتمع هو إنسان واهم ولا يرى الواقع على حقيقته!

رأينا أربع شخصيات رئيسية في الرواية لكل منهم قصة منفصلة إلى درجة أنك تشعر بأنك تقرأ أربع روايات مختلفة لا رواية واحدة، و لكن قصصهم تتداخل في لحظة ما في الرواية. الشخصية الأولى تمثلت في طالبة جاءت من الريف المصري المحافظ ولا تعرف شيئا غير الحشمة و الستر و الحفاظ على الشرف، فكيف انتهى بها الحال في آخر الرواية؟! وطالب يصلي صلواته بكل خشوع ولكنه أيضا يستمتع بما يستمتع به الرجال بعد الفراغ من صلواته! و شيخ في الظاهر، ولكن رجل مخابرات لئيم في الواقع، يبيع كل شيء لمعبوده الذي لا يعبد سواه: المال ... والزوجة! وزوجة تفاجأ بزوج لا يحمل في قلبه ذرة إيمان أو حياء أو رجولة تريد الطلاق منه ولكن لا تستطيع لاعتبارات عائلية و اجتماعية!

رواية أختلف في واقعيتها، أي أنني لا أؤمن بأنها تمثل أي واقع، وأختلف أيضا في أسلوب طرحها للقضايا التي أراد الكاتب إبرازها. ولكن لا يعني هذا أنها غير ممتعة، فأحداثها تجذبك إلى صفحاتها الأخيرة وتجعلك - عندها - إما ممتعضا أو متسائلا!