23 أبريل 2009

الخمر و النبيذ في الإسلام



لم أكن لأهتم باقتناء هذا الكتاب لولا حصل ما حصل في زيارتي الأولى إلى المعرض. كنت قد لقيت أحد الاخوة الذين تعرفت إليهم قريبا، فتبادلنا حديثا مختصرا عن المعرض، وفجأة قطع حديثنا وجه مألوف ... دخل بصخب – كعادته – و أصر أن يهدي كتابا لمحدثي. كان عنوان الكتاب "الخمر و النبيذ في الاسلام" ...

رفض س.ح قبول الكتاب على الرغم من إلحاح صاحب الوجه المألوف، فما كان منه إلا الالتفات إلي و إهدائي الكتاب ... قبلت ... فإصراره و رفض صاحبي شدني إلى معرفة ما يحويه الكتاب. وصار أنني كسبت شيئين بقبولي للكتاب ... الكتاب نفسه، و صاحبٌ جديد اسمه معاوية الرواحي ... أو المهذون!

شرعت في قراءة الكتاب في الليلة ذاتها متوقعا أن أجد فيه دراسة جادة و عميقة في موضوع الخمر و النبيذ في الإسلام، فعلي القرني – المؤلف- أوهمنا في مقدمته بأن هذه الدراسة هي دعوة "إلى العودة لقراءة التراث الإسلامي بتعدده، ومن ثم الخروج من الذهنية المنغلقة على قشور ثقافة الماضي الأحادية إلى ذهنية ابتكارية تعددية لا تقبل أي حدود فكرية"، ولكن من يقرأ الكتاب يجد بأن ما يتصل بالدعوى أعلاه، لا يتجاوز عشرين صفحة، والباقي عبارة عن اقتباسات لحكاوي الخمارين و السكارى ومن هم على شاكلتهم في مختلف العصور و الأزمنة، وكأن ذكر هذه القصص خروج عن الذهنية المنغلقة، أو هي تشريع لما اتفق عليه من التحريم!

الهدف الآخر الذي أراده المقري في هذا الكتاب كما يزعم: "أردت من خلال إيراد بعض المغيب عنوة من النصوص المرجعية الإسلامية، أن أبرهن على وجود تعدد في وجهات هذه النصوص، وتعدد آخر في تفسيرها و تأويلها و شرحها يصل أحيانا إلى حد التناقض الذي يتيح إمكانية القول إن الشيء ذاته حلال بمعيار وجهة ما، وحرام بمعيار وجهة أخرى". وهذا الكلام صحيح ولا خلاف عليه، بل و أتفق معه جملة و تفصيلا، ولكنه في الحقيقة أكبر من متن الكتاب الذي إن عدنا إلى مصادره وجدناها هزيلة ضعيفة تصب في الاتجاه الذي أراده الكاتب فحسب ولا تمثل آرآء فقهاء الإسلام، ككتاب "الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها" و "قطب السرور في أوصاف الخمور" و "نهاية الأرب في فنون الأدب".

يقع كتاب "الخمر و النبيذ في الإسلام" في ستة فصول، الأول تعريف بالخمر و النبيذ. و الثاني يتناول الخمر – كثقافة – في عصور ما قبل الإسلام. و الثالث عنوانه "الخمر و النبيذ في الإسلام". والرابع عن التداوي بالخمر و النبيذ. و الخامس و السادس عن الخمر و المجون في العصرين الأموي و العباسي بالتوالي.

وما يهمنا حقيقة في هذه القراءة السريعة أن نشير إلى بعض ما استند عليه المقري في هذا الكتيب للاستدلال على "اختلاف العلماء حول حرمة الخمر". وقد أشار المقري إلى ثلاثة أمور – وهي مستوحاة من شخصيتين أشار إليهما الكاتب، أحدهما هادي العلوي، و الثاني صاحب كتاب "الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها" واسمه ابن قتيبة الدينوري – هي،

أولا: أن آية الاجتناب، ((يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون))، إنما أنزلت "تحبيذا للامتناع عن شرب الخمر، روعيت فيه الاعتبارات الشخصية للفرد" فهي – أي الآية – لم تصرح بالتحريم وكذلك لم تشر إلى عقوبة لشارب الخمر ولذلك لا يعول عليها في التحريم.

والثاني: أن الآية ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا)) تدل على تخفيف اللهجة وحصول نوع من التسامح اتجاه شارب الخمر، خاصة و أنها نزلت بعد آية الاجتناب.

و الثالث: أن الآية التالية – وهي من أواخر ما نزل من القرآن – لم تذكر الخمر ضمن المحرمات في الطعام، ((قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتا أو دما مسفوحا أو لحم خنزير)).

هذا بعض ما أورده المقري في كتابه، وهي نقاط – كما أظن – واهية لا تصمد أمام الحقيقة الجلية الواضحة، أن تحريم الخمر إنما جاء على مراحل و أن آية الإجتناب إنما جاءت في ختام هذه المراحل، وسياقها لا يدل إلا على التحريم لا كما نقل المقري. و أما الآية الثانية فقد نزلت عندما سأل الصحابة رسول الله – بعد نزول آية التحريم – عن أصحابهم الذين ماتوا وهم يشربون الخمر قبل التحريم، كيف يكون حالهم؟ فكان أن نزلت هذه الآية لتدلل على أن لا حرج عليهم بعد أن آمنوا و اتقوا. وأما الآية الأخيرة فقد جاءت في سياق، ونزعها من سياقها يخل بفهمها، فهي جاءت أولا في معرض الحديث عن الأنعام، ثم إنها كانت ردا على الذين حرموا بعض ما في بطون هذه الأنعام على إناثهم و أزواجهم، جاءت ردا على افترائهم و تأكيدا على أن لا حرام من هذه الأنعام على آكل يأكله إلا ما جاء في سياق الآية. فكيف إذن يستخدمها المقري هذا الاستخدام الشنيع للتدليل على ما لم تشر إليه الآية أصلا؟!

في النهاية أقول، إذا ما كانت هناك فائدة من هذه القراءة، فلن تكون إلا في شيئين. الأول معرفة ماهية الخمر و استخداماتها و المصطلحات المتعلقة بها. و الثاني هو الكشف عن الحقيقة المؤسفة لكثير من "الخلفاء الأمويين و العباسيين" الذين حفل بهم المقري بنوادرهم الخمرية في كتابه هذا، مستخدما مجونهم للتدليل على أن في حدود الخمر وحرمتها خلاف، فواأسفا على مثل هؤلاء الخلفاء ... و على من سار في دربهم إلى هذا اليوم!

03 أبريل 2009

رومــــــــــا


الوصــــول

عندما حطت بنا الطائرة في روما و استقبلنا رجال الأمن بزيهم الأزرق المائل إلى السواد ... ظننت بأن هذه الرحلة ستكون مختلفة عن سابقاتها من الرحلات، ربما ببعض المفاجآت مع رجال الأمن، خاصة وأن آثار ١١ سبتمبر ما زالت تنتشر كالنار على الهشيم في الإجراءات التي تبتدعها عقول رجالات الأمن في مطارات العالم. كنت واثقا بأن فريق المهنيين الذي كان معي لا علاقة له بالإرهاب، لا من قريب ولا من بعيد. فاطمأنت نفسي بأن هذه الإجراءات ما هي إلا روتين ربما يكرهها أصحاب البدلات الزرق أكثر من ضيقنا بها!

شغَلتُ فكري بمتابعة الناس من حولي، مستحضرا الموجود في فكري عن الطليان، من حبهم للفن المعماري و الرسم و بروزهم فيهما، وتفوقهم في صناعة البيتزا و براعتهم في الأزياء و الموضة و الموسيقى. كان لدي أيضا انطباع - لا أدري مصدره - هو أن الطليان هم بدو أوروبا! لا أدري مظاهر هذه البداوة ولا لماذا رُبط الطليان بها، لكنها كانت خاطرة أعترف بأنها زالت حالما خرجت من المطار.

انتهت إجراءات رجال الأمن و سلمونا جوازاتنا، فحييناهم تحية حارة من الأعماق و سارعنا بالرحيل قبل أن يغيروا رأيهم. كانت الزيارة الأولى لي ولمن كان معي، ولكن لم نجد صعوبة في الحصول على محطة القطار و التحرك بإتجاه المدينة، مدينة روما التاريخية. في محطة الوصول استقبلنا شاب ذو أصول مغربية، دلنا على فندق قريب لقاء أجر بخيس. ما الذي دعاه لمثل هذا العمل؟ وكم يجني من المال ؟ لم أهتم كثيرا للحصول على جواب فقد كانت الخدمة بالنسبة لنا مفيد جدا لما وفرته علينا من وقت و عناء حمل الأمتعة من مكان إلى آخر بحثا عمن يأوينا خلال الليل.

المديــــنة
قضينا ليلتين في روما كانتا من أجمل الأيام التي قضيتها في رحلة سياحية خارج وطني، فقد أبهرتني حقا تلك المباني و المدن التي شيدت في بدايات القرن الأول، وما صاحبها من هندسة و معمار يعتبر متطورا في هذا القرن، فكيف كانت وقتذاك ؟! كنا نجول في أورقة الحصارة الرومانية مشيا على الأقدام، فالمدينة القديمة كانت صغيرة نسبيا، والمشي من طرفها إلى طرفها الآخر لم يكن ليستغرق أكثر من ساعتين أو ثلاثة. حاولنا استخدام قطارات الميترو المكتظة، ولكنها كانت خطيرة بسبب كثرة النشالين الصغار الذين كنا نضبطهم وأيديهم الخفيفة المتمرسة تداعب جيوب الركاب بحثا عن غنائم، ولا يلبثوا قليلا حتى يحثوا الخطى بعيدا وهم يتبادلون الضحك متطلعين لاقتسام ما غنموه من السواح الذين سلبت المدينة عقولهم بجمالها و بهائها!

من المعالم التي شدتني إليها و جذبتني بعيدا في عالم الخيال هو المسرح الروماني العملاق. فالمسرح لم يكن أعمدة و خراسانات برع في تصميمها و تشييدها الرومان فحسب، بل كان تاريخا ينطق بعظمة الحضارة التي شيدتها ومدى تطور العلوم الهندسية و المعمارية في هذا الوقت المبكر من التاريخ. فعلى سبيل المثال، صُمم المسرح ليتحمل الهزات الأرضية، وقد أثبت التاريخ قدرة هذا البناء الضخم على البقاء مع عوامل التعرية الطبيعية القاسية التي مر بها. كما صممت أرضيته الخشبية المغطاة بالرمل لتتحمل أوزان شتى أنواع الحيوانات في العروض التي برع في إبداعها الرومان، هذا مع وجود طابقين سفليين يقعان تحت هذه الأرضية تُحجز فيهما الحيوانات و يقبع فيها المقاتلون قبل بداية العروض المميتة. وأما المقاعد فقد كانت تتسع لخمسين ألف متفرج، ويقال بأن المسرح كان يحوي غطاء خشبيا في أعلاه يرفع بآلات يدوية مثبتة على الأرض، يغطي المسرح بالكامل لحماية المشاهدين من أشعة الشمس وزخات المطر! كان هذا مدهشا بما فيه الكفاية، غير أن دهشتي زادت لمّا حدثنا مرشدنا السياحي عما كان يدور في المسرح من عروض ومفاجآت.

قال المرشد الذي كان يتحدث الانجليزية بطلاقة، أن من أغرب العروض التي عرضت في المسرح في ذلك الزمان الغابر هو يوم أتي بإثني عشر أسدا حبسوا في الأقفاص بلا طعام، ثم أتي بإثني عشر فيلا ممتلأً ووضعوا في المسرح قبل أن يطلق سراح الأسود الجائعة. ولكم أن تتصوروا الملحمة التي دارت بين الفريقين، ومدى الدهشة التي أصابت الحضور وهم في الغالب لم يروا مثل هذه الحيوانات من قبل! لم أمنع لساني من البوح بما شغلني: من الذي فاز؟! قال المرشد: لا يهم، فالكل في نهاية العرض يُقتل! ... كانت الأرواح ليست بذاك الأهمية، فكمن من محارب قَتل و قُتل لإلهاب مشاعر المشاهدين في المسرح، بل يقال بأن أكثر من ٥٠٠ ألف مقاتل قتل في المسرح، ناهيك عن مئات الآلاف من الحيوانات التي سفكت دمائها دون أن تدري ماذا جنت لتذبح هكذا. والهدف - كما أخبرنا المرشد - هو شغل الناس بالملهيات حتى يستتب الأمر للإمبراطور الروماني. حتى أنه كان هناك ٥٢ من مختلف أنواع الملاهي في مدينة لا يقطنها سوى بضع مئات من الآلاف من الناس!


ومن الحوادث الطريفة التي مرت بنا في أعتاب المسرح الروماني، هو حينما جائنا ثلاثة من الطليان متقنعين بثياب الحرس الروماني القديم سائلين إن كنا نريد التصوير معهم. نظرنا إلى بعض ثم قررنا دفع واحد منا للتصوير، رفض في البداية ثم مع إلحاحنا قبل على مضض دون أن ينتبه للإبتسامة التي علت شفاهنا عندما أولانا ظهره. بدأنا في تصويره و الرومان الثلاثة يحيطون به مبتسمين أولا، ثم في وضعية المقاتلين، ثم قبضوه و كأنهم يريدون ذبحه، وأخيرا واضعين السيف بين رجليه وكأنهم ينوون خصيه! ونحن - المشاهدين - في كل هذا ما بين القهقهة و التصوير، لا ندري أنضحك على ما يفعله الرومان الثلاثة أم على نظرة البلاهة و الحمق التي علت وجه صاحبنا! (لولا الحياء و الاحترام الذي أكنه لصاحبي هذا لوضعت الصورة هنا لتشاركوني الضحك)

بعد أن انتهى صاحبنا ودفع للصوص الثلاثة ٤٠ يورو (أي ٢٠ ريالا!) حاولوا الحصول على زبون آخر، ولكن هيهات أن يضحكوا علينا كما فعلوا بصاحبي. وكان مما قالوه بأنكم أنتم العرب تمتلكون آبار النفط في حدائق بيوتكم الخلفية، ولا تريدون دفع ما عندكم من مال إلا لأسامة بن لادن و أمثاله! كان لزاما علينا الرد، ولم يكن غيري ممن معي يملك تلك الإندفاعة الحمقاء التي عادة ما تودي بصاحبها إلى ما لا تحمد عقباه، فقلت بحس المداعب الضاحك: أستطيع أن أوصل المبلغ إلى أسامة إن أردت؟! ... نظروا إلينا شذرا وقرروا الرحيل، ونحن أيضا سارعنا بالرحيل بعد أن عاد إلي شيء من العقل و حسبت ما تستطيع هذه الكلمات زجي إليه!



الرحـــــيل

زرنا خلال اليومين مواقع عدة، مثل الفاتيكان، أصغر دولة في العالم و معقل الكنيسة الكاثلوكية، و مررنا ببناء البرلمان الروماني، و أطلال الحضارة الرومانية، و العديد من الكنائس الجميلة و القصور البهية، وكذلك مقر "الصرف الصحي" الذي كان يأخذ المياه بعيدا عن المدينة وما زال يعمل إلى يومنا هذا! ولم يفتنا زيارة مبنى في أسفله بحيرة جميلة يقال بأن من يرمي فيها بضعة قروش لا بد أن يجد السبيل إلى قلب من يحب ، فرمينا مقلدين لا مؤمنين، مع أن كل ما في روما كان ينطق برومانسية لم أشهد لها مثيلا في مدن أوروبا الأخرى. ولم يفتنا أيضا زيارة قوس النصر الجميل الذي شيد بعد انتهاء الحرب العالمية.

انتهت الزيارة سريعا، وقررت بأن العودة إلى روما شيء لا بد لي منه، فقد بهرتني بجمالها الخلاب و مبانيها الأنيقة و عبقرية معمارييها و مهندسيها وروعة فنانيها و رساميها. انطلق القطار عائدا بنا إلى المطار، وفي بالي سؤال ملح: كيف سقطت إمبراطورية هكذا كان شأنها وتلك كانت قوتها و عبقريتها؟ ما هي عوامل سقوطها؟ وكيف نهض بها أبناؤها من جديد؟ فتذكرت قول المولى الحق في كتابه الكريم: ((وتلك الأيام نداولها بين الناس))!




21 فبراير 2009

ستة أطر للنظر من خلالها إلى المعلومة


عندما يحمل كتاب ما اسم إدوارد دي بونو، فلا بد أن يكون الموضوع متعلقا بالتفكير، فالكثير من مؤلفاته هي عبارة عن تقنيات مبتكرة تساهم في تطوير العملية الفكرية، كما أنه هو أول من أشار و أسس لعلم "التفكير الإبداعي" ووضع قواعد لهذا العلم زاعما أن بإمكان الفرد أن يتعلم مبادئ هذا النوع من التفكير، و يمارسه عن وعي !

ولا يختلف الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه عما سبقه من مؤلفات، فهو يتناول التفكير ويبحث له عن وسيلة تعينه على العمل و التعامل مع ما حوله من متغيرات و تقلبات في أساليب الحياة التي تزداد تعقيدا يوما بعد آخر، وحتى نكون أكثر دقة فإن بونو يحاول من خلال هذا المؤلف أن يعين العقل على التعامل مع الثروة الهائلة من المعلومات التي تحيط بنا. فما هي الأطر الستة ؟ و كيف يمكننا أن ننظر من خلالها إلى المعلومة؟ و وما هو المكسب الذي سنحققه في اتباع هذه الآلية؟

هذا ما سنقرأه سويا في الأسطر القادمة ...

***
كل ما حولنا يشير بأننا نعيش في عصر المعلومات ... فالمعلومة - حول أي شيء - في متناول الأيدي، ولا يحتاج الفرد إلى كثير عناء للحصول عليها، إذ تكفي بعض النقرات مع اتصال بالشبكة العالمية وتكون المعلومة أمام من يبحث عنها. فمن يبحث عن تشخيص لمرض ما يكفيه كتابة ما يشكو منه ليحصل على تفاصيل مرضه، ومن أراد السفر من مكان إلى آخر يجد أن حركة الملاحة الجوية العالمية موجودة في الشبكة، ومن أراد معرفة شيء عن أي شيء سيجد أكثر مما يبحث عنه في الشبكة العالمية!

فالحصول على المعلومة – إذن – أصبح لا يشكل تحديا كما كان في السابق، بل إننا نجد من المعلومات أكثر مما نحتاج إليها، بل و ربما أكثر مما تستطيع طبيعتنا البشرية استيعابه. وتمر علينا المعلومات و نمر عليها دون أن نتمكن من استخلاص كل ما فيها من فائدة، و لا شك بأن العقل لا يستطيع أن ينتبه لأكثر من شيء في اللحظة الواحدة، وحتى إذا ما انتبه إلى شيء يكون ذلك الشيء هو ما جذب انتباهك إليه لغرابته أو اختلافه و ليس لأننا قررنا أن نوجه فكرنا إليه. فلو – على سبيل المثال – كنت تقود السيارة إلى وجهة ما، فأي جسد ملقي على الطريق و الناس متجمهرة حوله، سيثير اهتمامك و ستوجه فكرك إليه لا إراديا بدلا من التركيز على ما هو مهم: الطريق و مخاطره!

ولهذا فإن فن توجيه الفكر نحو ما تريد من المعلومة تحديدا، ليس بالسهولة التي نتصورها لوجود الكثير من "المغريات" التي تصرفنا عن المهم في المعلومة. ولكن في المقابل، فإن إتقاننا لفن توجيه الفكر عند قراءة المعلومة سيعمل على الاستفادة القصوى من تلك المعلومة. ولنضرب مثالا لكي تتضح الصورة، فلو وقف شخص ما على الطريق ينظر إلى الألوان الموجودة حوله لربما لاحظ وجود اللون الأخضر و ربما الأزرق أو الأحمر، دون أن ينتبه كثيرا للتفاصيل. ولكن لو طلب منه البحث عن اللون الأحمر أولا ... ثم طلب منه النظر إلى اللون الأخضر و من بعدها الأزرق، فإن المحصلة النهائية للمعلومة ستكون أكثر دقة... فهو الآن سينتبه لوجود زهرة حمراء ملقية على الأرض، وتوجد سيدة في الجانب الآخر مرتدية رداء أحمر، وهناك سيارة عليها شعار أحمر اللون ... وهكذا – بتوجيه العقل للانتباه لأشياء بعينها – فإن المعلومة لن تكون أكثر دقة فقط، و لكنها ستكون أشمل كذلك! و ستكسب من محيطك معلومات لم تكن أصلا مجهزة أو معروضة لك!


وهذا هو ما يقدمه ديبونو في هذا الكتاب ... آلية نستطيع بها توجيه فكرنا نحو المهم في المعلومة، بدلا من أن نسرح في "الوضعية الآلية" للتفكير، بحيث أننا دائما ننظر إلى المعلومة بطريقة واحدة فقط، وغالبا ما تكون هذه الطريقة هي أيسر الطرق بالنسبة لنا – ولهذا سميت بالوضعية الآلية – فنستخدمها في قراءة المعلومة و نترك ما سواها من جوانب قد تكون أكثر فائدة.
فكرة ديبونو بسيطة، فهو يطرح ستة إطارات – أو سمها أشكال – ننظر من خلال كل واحد منها إلى المعلومة، وكل إطار يرمز إلى "كيفية" سيأتي ذكرها... وبهذا أنت توجه فكرك للانتباه في جوانب متعددة في المعلومة، و تفعل ذلك بانتظام لا يحير العقل! ويربط ديبونو "الكيفية" بأشكال مختلفة لكي يستنفر كل شكل كيفية معينة فتقول: فلأنظر إلى المعلومة من الإطار المثلث، ثم بعدها من الإطار الدائري ... وهكذا حتى تنتهي من الأطر الستة وتكون قد كسبت من المعلومة أكثر من مجرد القراءة العابرة!

***
أول هذه الإطارات هو الإطار المثلث وهو يرمز إلى "الهدف" الذي من أجله تبحث عن المعلومة. والمثلث ذو ثلاث زوايا كل واحد منها يرمز إلى سؤال، الأول: ما الهدف من البحث عن المعلومة؟ الثاني: لماذا أحتاج لهذه المعلومة؟ و الثالث: من أين يمكن لي أن أحصل على المعلومة؟
والهدف من طرح هذه الأسئلة هو أن يكون هدف البحث واضحا أمامنا بدلا من أن يكون في مكان ما خلف عقولنا، وبوضوح الهدف فإن المعلومة – المتوفرة أصلا، كما اتفقنا من قبل – ستكون فائدتها أكبر.


الإطار الثاني هو الدائرة، وهو يرمز إلى "الدقة"، أي دقة المعلومة المتوفرة، و هل بإمكاننا الاعتماد عليها أم علينا التأكد من صحتها من مصدر آخر؟ طبعا لا يمكن التأكد من كل شيء، ولكن علينا أن نضع في الاعتبار أن المعلومة قد لا تكون دقيقة بما يكفي ولذلك فهناك أهمية أن نتحين الفرص للتأكد من ذلك.



أما الإطار الثالث فهو المربع، وهو يرمز إلى "وجهات النظر"، و كل أضلاع المربع متساوية في الطول... وهكذا يتم التعامل مع وجهات النظر المختلفة. فمصدر المعلومة قد لا يكون دائما محايد، ومعرفة وجة النظر التي أتت منها المعلومة يساعد عادة في تقييمها ووضعها في مكانها المناسب.


والإطار الرابع هو القلب، وهو يعبر عن "الاهتمام"، و الإنسان عادة ما يبحث في الأمور التي يهتم لها و تستهويه، و لهذا فإن النظر إلى المعلومة من خلال درجة اهتمامنا بها يجعل الفائدة التي فيها أعمق.


والإطار الخامس هو "الألماس" ، وهو يعبر عن "القيمة"، القيمة الفعلية للمعلومة: هل لبت الحاجة التي من أجلها بحثنا عن المعلومة أم لا؟ هل جاوبت المعلومة السؤال المطروح؟ هل كسبنا قيمة حقيقية من هذه المعلومة أم لا؟ و الهدف من طرح هذه الأسئلة هو توجيه العقل للتفكير في قيمة المعلومة بدلا من قبولها على ما هي عليه.

أما الإطار الأخير فهو المستطيل، وهو يعبر عن "النتيجة"، أي النتيجة النهائية التي توصلنا إليها من خلال بحثنا في المعلومة نفسها، وهل كانت النتيجة بخلاف ما كنا نعتقده من قبل أم أن قناعاتنا تعززت بالنتيجة التي توصلنا إليها من خلال البحث. وهذا المستطيل يدعونا للتفكير في النتيجة النهائية وما إذا كانت النتيجة كافية أم أننا بحاجة للبحث في مكان آخر؟

***

حسنا ... ما الذي استفدناه من كل هذا ؟ هل تقنية الأطر هذه مفيدة بالفعل أم أنها مضيعة لوقت لا نملكه أصلا؟! هل ستغير هذه التقنية من الطريقة التي ننظر بها إلى المعلومة أم لا؟

الجواب بطبيعة الحال عائد إلى المسؤول عنه بشكل أساس، ووجهة نظري أن هذه التقنية مفيدة للقارئ الباحث الذي يبحث في قضايا بعينها، سواء كانت اجتماعية أم سياسية أم دينية أم اقتصادية أم غيرها من مجالات البحث ... فهي أداة تتيح له التعمق في نظرته إلى المعلومة، و التاكد من فائدتها و مدى حياديتها، و من ثم معرفة قيمتها، و أخيرا تمحيص النتيجة النهائية و التفكر فيها.

أود في النهاية أن أنبه بأن ما جاء حول الأطر في هذه المقالة ما هو إلا الفكرة العامة للكتاب، وهناك تفاصيل أكبر و أهم في الكتاب نفسه، ومن أراد الاستزادة فعليه بالكتاب الذي لا غنى عنه لكل باحث يجد صعوبة في تمحيص المعلومات التي تتكالب عليه من كل جانب!