‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقـــــــالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقـــــــالات. إظهار كافة الرسائل

13 يونيو 2010

خالد سعيد وظلم الأنظمة

أيها الظالم كفاك حمقا * فليس بيني وبين الله حجاب

لا أجد اليوم ما أستطيع أن أعبر به عن قرفي من النظام المصري الحاكم. هؤلاء ليسوا خونة وجبناء فقط ولكنهم وحوش فقدوا كل مشاعر الانسانية والأخلاق، وجزاؤهم - لو كنا أولي قوة - هو أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يصلبوا في جذوع النخل أو يقتلوا شر تقتيل!

أتكلم اليوم وفي قلبي شعور بأنني مصري حتى الثمالة، يؤلمني ما يؤلمهم ويسعدني ما يسعدهم، هؤلاء الصناديد الذين قدموا دمائهم وأرواحهم وأقلامهم ومداهم فداء لقضايا هذه الأمة. الشعب المصري اليوم محكوم بقبضة من نار لا ترحم، تضرب بحقد وتقتل بحقد وتحكم بحقد، لم يبق شيء من الفضائل إلا ووطأته بقدمها، ولا شيء من الدنائس إلا وقبضت عليه لتحكم الناس به. حكومة تبيع الغاز لعدوها التاريخي بثمن بخس، وتحاصر غزة وتجوع شعبها الأبي. حكومة يفر تجارها من دماء الناس لأنهم مقربون من الحزب الحاكم، فمن قضية الدم الفاسد إلى عبارة الحجاج التي غرقت وعلى ظهرها أكثر من ألف حاج قضوا بسبب جشع تاجر أمن العقاب وما خشي الله في أرواح الناس.

خالد سعيد شاب مصري عمره ٢٨ عاما، اقتاده رجال شرطة الاسكندرية "الأشاوس" من مقهى للانترنت إلى المركز، ووسعوه ضربا مبرحا ثم ألقوا بجثته أمام منزله بعد أقل من ساعة من اقتياده. والصورة المرفقة تحكي كل شيء! فك مكسورة وأسنان مهشمة ووجه ممزق. ودماء تلطخ ذلك الوجه الذي كان يشع نورا. والذنب أنه كان يفضح ممارسات بعض رجال الشرطة المتاجرون بالحشيش ويعيد إرسال ملف فيديو إلى الأحرار من قرنائه. ولأن القانون معطل قام هؤلاء الجبناء بقتل هذا الشاب المسالم الأعزل كما قتلوا غيره كثيرون ممن حملوا أوطانهم على أكتافهم حرصا عليها.

هناك المئات من أمثال خالد سعيد على امتداد الوطن العربي، تقتلهم أنظمتنا المهترئة البالية بقوانينها التي تحمي رجالات الدولة من المساءلة والحساب، وتطلق العنان لرجال الأمن في التصرف كيف شاؤوا والتنكيل بمن أرادوا ما دام ولاؤهم للنظام قائم. هذه الأنظمة ما باتت تخشى من شيء، فسياطها ألجمت الناس، وإعلامها يجمل قبحها، وأموالها شرت به أقلام المثقفين والساسة والشعراء، وشح من يقف في وجهها مطالبا بحقوق الناس ودية شهدائهم. ولكن أبشركم بأن عمر الظالم قصير، وسيأتي اليوم الذي سنحصد فيه ثمار دماء خالد سعيد وإخوانه الأحرار. وأخيرا أقول:أيها الظالم كفاك حمقا فليس بين دعاءنا وبين الله حجاب!

اللهم ارحم خالد سعيد وكل من وقع فريسة الأنظمة الظالمة.

14 أبريل 2010

بل أنت العربي يا حمزة!





فغض الطرف إنك "عربي" *** فلا "حمزة" بلغت ولا "إماما"!


أحل علينا الداعية الشيخ حمزة يوسف - الأمريكي المولد والنشأة والتعليم - البارحة في المنزل مع زميل له، أمريكي أيضا لقبه الشيخ "بالإمام زيد"، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الحضور المتعطش لسماع بعضا من الكلمات الوعظية والدعوية التي ترفع الهمم الروحانية والوجدانية. غير أن الضيف الكريم أبى إلا أن يفاجئنا بمفاجأة من العيار الثقيل، فبدلا من الحديث الدعوي العام قام يحدثنا حديثا ذا شجون حول أمرين أشغلا تفكيره وهو يجوب المشرق العربي: اللغة العربية، وتربية الأجيال الناشئة.

كيف يمكن للشعوب العربية أن تغترب في لغتها وهي أجمل لغات أهل الأرض؟! لماذا الإصرار والتركيز على تنشأة الأطفال والاهتمام بإجادتهم للغة الانجليزية ونهمل تماما وعاء الثقافة والدين بحجة أن ضرورة العصر تتطلب إتقان لغة الغرب؟ أي أمة تنشأ بغير لغتها مصيرها الضياع لا الارتقاء، لأن ثقافتها وهويتها آيلة إلى الزوال والذوبان السريع في ثقافة المستعمر الأجنبي، بكل ما في تلك الثقافة من انحلال وانحراف وهبوط ومادية مفرطة.

اللغة العربية، لغة القرآن ولغة أهل الجنة، تستدعي أكثر من مجرد اعتزاز وفخر ممن لا يعرف قيمة ما يفتخر به، والمناهج التربوية في معظم الدول العربية - حسبما يرى حمزة يوسف - تغمط العربية حقها عندما تركز كثيرا في النحو ولا تلتفت إلى الصرف - مثلا - وإلى جماليات اللغة العربية والمعاني العميقة التي جاء بها الشعراء في مختلف العصور. ولذلك كانت النتيجة أجيال لغتها ركيكة ضعيفة لا تعين صاحبها على شيء سوى كلام المعصرات. عند الغرب مثلا - لا يمكن أن تجد من لا يعرف شيكسبير مهما كانت درجة التعليم التي تلاقاها الفرد، فشيكسبير أيقونة لغوية مهمة، ولكن عندنا في المشرق ترى طلبة جامعيون لا يعرفون من هو المتنبي أو الكسائي أو غيرهم من رموز اللغة، مع أنهم عرب أقحاح ورموزهم اللغوية يشكلون لبنة من لبنات تكوينهم المعرفي والثقافي... أتحفنا حمزة يوسف بنماذج من غرائب اللغة العربية وجمالها، بل قل إنه أحرجنا بضحالة معرفتنا وغزارة علمه وهو أمريكي بدأ تعلم العربية في سن متأخرة!

بعد الضربة النفسية الأولى - التي أصابتنا في مقتل - انطلق حمزة يوسف للحديث عن التربية: تربية الرجولة والخشونة!
تخيلوا معي المشهد، أمريكي نشأ في عائلة ميسورة الحال في بلاد بلغت من الرفاهية والتقدم ما لم تبلغه أيا من المجتمعات على مر التاريخ، جاء يحذرنا نحن أبناء من تربى آباؤنا على ظهور الأنعام وعلى افتراش الأرض والصخر من مغبة الانجرار وراء دعة العيش والنعمة المفرطة، فينصحنا بمقولة ابن الخطاب الشهيرة: اخشنوا واخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم! (عاش حمزة مع البدو لسنوات، فعرف طباعهم وخبر أثر تربيتهم الخشنة في تقوية الجسد وتعويده على تحمل المشاق والصعاب والأثر الإيجابي الذي يخلفه ذلك على طباع النفس البشرية).

تكلم الشيخ كثيرا في تلك الجلسة، وعقب عليه الإمام زيد بمداخلات لا تقل أهمية وروعة، ولا يسعني أن أذكر تلكم التفاصيل الدقيقة التي أضافت الشيء الكثير في أذهان الحضور. ولكي تكتمل الصورة في ذهن القارئ أقول: كان الحضور في أغلبه ممن انجر وراء الثقافة الغربية في حديثه وفكره، ولم يحضر إلا كون أن المتحدث سيتحدث بلغة يفهمها: هي اللغة الانجليزية، فكان حديث الشيخ رمية أصابت رميتها، فكنا في ذلك المجلس وكأننا نحن الأجانب وهو العربي الأصيل بيننا!




05 يناير 2010

مبارك اللا مبارك!




قليلة هي الصور التي أجدها تعبر بشكل كامل وواضح عما أريد قوله. ولكن هذه الصورة بالذات اختصرت علي الكثير. سأكتفي بها لأنها تقول كل شيء!

10 أكتوبر 2009

فلسطين ... نواة الثورة العربية

لم يتوقع أحد بأن يتطور الفساد الأخلاقي والمنهجي والمالي للسلطة الفلسطينية الحالية بقيادة أبو مازن إلى درجة من انعدام الضمير بحيث تستبيح وطنا بأكمله. إثنان وستون عاما منذ بداية النضال والفداء والتضحية للقضية الفلسطينية ولم تكن هناك فرصة أقرب من هذه لإدانة العدو الصهيوني في المحافل الدولية، ثم يأتي أبو مازن ويقرر سحب تقرير جولدستون من طاولة مجلس حقوق الإنسان بجرة قلم وفاكس مرسل إلى مندوبه في الأمم المتحدة، متنكرا بذلك لأرواح الآلاف من الشهداء الذين لم ينصفهم التاريخ ولم تنصفهم المحافل الدولية إلا في هذه المرة اليتيمة. هذه الفرصة أُجهضت حماية لقيادات العدو الصهيوني بيد مَن مِن المفترض أنه أمين على القضية الفلسطينية.

ليس الهدف من هذه المقالة الاستطراد في ذكر الخسارة التي مني بها الشعب الفلسطيني بسحب التقرير وكم من الضرر ألحق هذا بقضيته سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الرسمي، ولكنه لإحالة النظر إلى ما يمكن للفساد أن يفعله عندما تتقاطع المصالح الشخصية والعامة. فالسيد محمود عباس كان بين خيارين، أن يسلم التقرير ويتحمل تبعات نشر فضيحة تواطئه مع الإسرائيليين في حرب غزة، أو أن يسحبه ويضيع على آلآف الشهداء من النساء والأطفال استرداد حقوقهم بمحاسبة المجرمين ووضعهم تحت المساءلة القانونية الرسمية. والخيار لم يكن صعبا كما يبدو!

النهج العام لحكام الدول العربية ليس أقل سوءا من نهج السيد محمود عباس. فالبقاء على سدة الحكم أطول فترة ممكنة لم يبق حلما فقط، ولكنه واقعا معاشا يتمتع به الحكام يوما وراء الآخر وليست هناك تحديات حقيقية تواجههم. فأمريكا - حمامة الديموقراطية - قد عدلت عن هذا الخطاب بعدما رأت نتائجه في فلسطين وقبله في الانتخابات البرلمانية في مصر ، بل وطمأنت الحكام بعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان بأنها - والكلام لكونداليزا رايس: تتفهم بطئ التحول الديموقراطي في مصر! ولم تبخل هيلاري كلينتون بتصريح شبيه للتأكيد على أن الإدارة الأمريكية ما باتت مهتمة بالتغيير الديموقراطي كما كانت في السابق. ومن جانب آخر فإن حركات التحرر العربية ماتت واقعيا وأيديلوجيا، فليست هناك قوى حقيقية تطالب بالتغيير والإصلاح. بل حتى التحركات التحررية أصبحت مستهجنة في الوعي العام، وما الاستنكار العربي العام لمطالبات جنوب اليمن بالانفصال - بسبب الفساد الذي لحقهم - إلا دليل قاطع على أن الجو العام هو جو الرضوخ التام والرضى بالأمر الواقع والخضوع بانكسار أمام الرأي الفقهي القائل بوجوب طاعة ولي الأمر ... وإن كان ظالما!

نعود إلى محمود عباس والشعور العام بالاحتقان والغضب العارم الذي أجج الشارع العربي عموما والفلسطيني خصوصا ضد السلطة الفلسطينية. فالحقيقة لم تكن أوضح مما هي عليه اليوم: الفساد ليس له آخر والسكوت عنه جرّأه على الوطن وحقوق أحيائه وأمواته، الخط الأحمر الذي لم يفشل يوما في تحريك الشعوب. الشرعية التي اختاراها السيد محمود عباس لا تختلف كثيرا على الشرعية التي يستند عليها معظم حكام الدول العربية: القوى الخارجية والزمرة المحيطة المستفيدة من وضع الفساد. ولذلك فهي في جوهرها لا تختلف كثيرا عن السيد محمود عباس الذي انكشف على الملأ، وإلا فما الفرق بينه وبين من رهن أمر موارده و ثرواته لرغبات الإدارات الأمريكية أو البريطانية المتعاقبة؟ وما الفرق بينه وبين من باع للصهاينة ماء النيل سرا؟ أو ذاك الذي أباح أبنائه لصواريخ وقاذفات الترسانة العسكرية الأمريكية؟!

الفساد لا يعني الاختلاس فقط، ولكنه استعباد العباد والاستبداد في الرأي ويكون حاصله هدر حقوق المواطن وضياع الوطن خطوة بعد أخرى ويوما بعد آخر. ليست هذه أولى أخطاء السيد محمود عباس ولا ينبغي لنا أن نتوهم بأنها ستكون آخرها، فما هذه إلا نتيجة طبيعية للمسار الذي اتخذته سلطته الدايتونية والتي ستتبعها خطوات أخطر على القضية الفلسطينية.، هذا ما لم يقف أبناء فلسطين الأحرار في وجهه كما فعل أبناء غزة الذين لم يرضوا الضيم والظلم فثاروا على تلك السلطة فحصدوا استتباب الأمن والاستقلال بالقرار في غزة، والمفارقة الغريبة العجيبة هي أنه في حين سحبت السلطة التقرير بكل ذل كانت حماس تستقبل ٢٠ أسيرة مقابل تسجيل قصير لجلعاد شاليط، فشتان بين الإثنين.

الأمر مع الشعوب العربية لا يختلف كثيرا وخياراتها محصورة، فهي إن صمتت اليوم فستتجرع غدا ما تتجرعه فلسطين وأهلها من ظلم ومشاعر الحنق والمرارة والغضب. وإن هي ثارت فلربما تجني ما جنته الشعوب الأخرى في ثوراتها المختلفة من تحرير للإنسان وارتقاء بالوطن. فهل تفيق هذه الشعوب على حلم الثورة؟ وهل ستكون فلسطين ومثالي غزة والضفة نواة للثورة العربية المرتقبة؟ ...ربما!

12 سبتمبر 2009

دستور العقل


أحد محاور الخلاف في الساحة الإباضية اليوم هو العقل وضوابط استخدامه. وبغض النظر عن التفسيرات المختلفة لماهية العقل وكيف يمكن كبح جماحه دون إقصائه أو إطلاقه دون انفلات لجامه، فإنني موقن بأن هناك ما يمكن اعتباره دستورا يحل الإشكال و يوجه الأنظار والنقد إلى نتاج العقل لا إلى كيفية استخدامه ونتجاوز بذلك جدلية العقل لننتقل إلى "الفكرة" ننقدها في ذاتها ونرى مدى توافقها لقواعد الدين وأصوله.

وقعت صدفة على كلام لسماحة الشيخ في تقريظ له لأحد الكتب، كان قد كتبه قبل أكثر من عشرين عاما، أي قبل أن يكون للخلاف الحالي أثر في حكمه على الأمور. فقيمته - في رأيي - أنه كلام أصيل، أي أنه قيل توضيحا لمنهج لا ردا على شبهة، ولا يستطيع أحد اعتباره ردة فعل "غير متوازنة"، بل هو نهج واضح المعالم محكم البنيان سار عليه أسلافنا الأخيار، وهو قائم على أسس قرآنية متينة وقواعد أصولية ثابتة.

أقول بأن كلامه يمكن أن يعتبر دستورا لما فيه من اختصار و ما يحويه من منطق، ولأنه استقاء مباشر من منهل النصوص الشرعية، وهو - قبل كل شيء - التزاما بنهج ومنهج الأوائل. فليتنا نعيه ونلتزم به عملا وفكرا. وأتمنى أن يكون سببا في تجاوز الإشكالية ومنطلقا لإعمال العقل فيما يهم الأمة ويشغل بالها لاستخراجها مما هي فيه ودفعها نحو الأمام فكريا واجتماعيا واقتصاديا وفلسفيا.

يقول سماحة الشيخ:

"وإن من يمعن نظره في التراث الإباضي الفكري - متجردا عن العوامل النفسية، والمؤثرات الوراثية - يدرك كل الإدراك أن الإباضية أكثر فئات هذه الأمة اعتدالا، وأسلمها فكرا، وأقومها طريقا، وأصحها نظرا، وأصفاها موردا ومصدرا.

فهم لم يُلقوا بالعقل في زوايا الإهمال لأن الله خاطب بوحيه أولى الألباب ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة، ونادى عليهم بالخذلان، وسجل عليهم بالخسران، كما هو واضح في كثير من آيات الفرقان. غير أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه، ولم يعطوه أكثر مما يستحق، فلم يؤثروه على النص، وإنما جعلوه وسيلة من وسائل فهم مراده، وتعيين مقاصده، قطعا أو ظنا، وهم في كل ذلك ينطلقون من فهم عميق للغة النص التي تستخدم تارة في حقيقتها وأخرى في مجازها حسبما تقتضيه أصولها مراعين في ذلك جميع القرائن والأحوال التي تعين على تشخيص المراد".

انتهى كلام الشيخ وكلامه واضح لا يحتاج إلى تأويل، فالمقصود بـ"النص" - أي القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة - واضح، والهدف من فهم مراد "النص" وتعيين مقاصده أيضا واضح. فليتنا نعض على هذا الدستور بالنواجذ وننطلق منه لاستكشاف حِكَم القرآن ومكنونات الأرض و أسرار السماء بدلا من البحث عن الزلات، ولوم هذا وذاك، ونعت بعضنا البعض بما لا يرضي الله، ولا يأتي سوى بالضغائن، ويؤدي إلى تشتيت و تشويش أولوياتنا الفكرية و الدعوية و الخطابية، فتزل أقدامنا بعد ثبوتها ويذهب ريحنا ويندرس في النهاية ذكرنا.

أخيرا أقول، أن أستخدم عقلي ثم أكتشف خطئي، خير لي من أن لا أستخدمه على الإطلاق!

29 يونيو 2009

رسالة من كسول تائب!




إلى كل من يتابع مدونتي، ولو كان شخصا واحدا، أعتذر إليك كسلي في تجديد محتوايات هذه المدونة...


نعم هناك ظروف استثنائية أمر بها، ولكنني لا أجدها سببا حقيقيا لامتناعي عن الذهاب إلى مكتبتي فأقتني منها كتابا لأكتب حوله قراءة مختصرة تنفعني قبل أن تنفعك أيها القارئ الكريم. لا، لن أعتذر بأعذار واهية كما كنت أفعل سابقا لأدرأ عن نفسي تهمة التقصير، فقد تجاوزت تلك المرحلة، ولم أجدها سوى عنصرا من عناصر الفشل بامتياز لأنها كانت توهمني دوما بأن فشلي سببه الآخرون أو الظروف أو الحظ، فلا أتعلم من خطئي سوى أنني غير مخطئ!


أخي القارئ ... أسمعت قصة الحمار الذي كان يدور حول الرحى لطحن القمح؟


كان الحمار، صاحب القصة، كسولا جدا إلى درجة أن الوخز بالعصى كانت الطريقة الوحيدة لدفعه للعمل، فعمد صاحبه إلى تعليق جرس حول رقبته ليتنبه له عندما يتوقف عن الدوران، فإذا لم يسمع قرع الجرس قام ووخز الحمار في مؤخرته ليستمر في العمل! تقول القصة بأن الحمار - بذكائه - تغلب على سيده، فكان يحرك رأسه دون جسده ليقرع الجرس فيظن الفلاح بأنه منهمك في طحن القمح فيتركه لشأنه.


هكذا تُحكى القصة في الغالب، تمجيدا لذكاء الحمار و ضحكا على غباء الفلاح، والحكمة الحقيقية من وراءها دائما تترك جانبا ... فما أراده مؤلف القصة أن ينبه الكسالى من الناس بأنهم بأعذارهم التي يقرعونها دائما سيتخلصوا من مسؤولياتهم ولكنهم لن يتخلصوا أبدا من حموريتهم!


أعود فأقول بأن ظروفنا لا يمكن أن تصبح أفضل مع تقادم الأيام، لأن منطق الحياة يقول بأنك كلما تقدمت في السن كلما زادت مسؤولياتك، ومهما زادت مسؤولياتك فإن الوقت لا يزيد إحتراما لاحتياجاتك منه! و بالتالي يكون الحل المنطقي الوحيد هو تنظيم هذا الوقت ليتناسب مع المسؤوليات المتراكمة، فالهرب - كحمارنا بالأعلى - قد لا يكون متاحا.


نعم، قد تداهمنا بعض الظروف النفسية الصعبة، كالوله و العشق و الحزن و الاكتئاب و الضجر و الضيق و الملل و السأم، قد تأتي هذه المشاعر على حين غرة فتقيد إنتاجنا بشكل عام و تجعلنا أقرب إلى الأصنام منا إلى البشر ... خاصة إذا كان عملنا يتطلب منا الجلوس أمام الحاسوب! نعم، تأتي هذه الظروف ولكنها لا يمكن أن تستمر للأبد فهي ظرفية و ربما لا تحتاج إلا إلى قليل من الجهد للتغلب عليها وتجاوزها. فالولهان و العاشق ما عليه سوى مصارحة محبوبته بمشاعره فإن قبلتها كان به وإن لم تقبلها فليقبل بواقعه المرير وليقنع برزقه و نصيبه، وليبحث عن محبوبة أخرى تقبله! (حسنا ... قد لا يكون هذا هو الحل هو الأمثل، ولكنه أحد الحلول ... أليس كذلك؟!). و الضجران و الحزين و المكتئب ما عليه سوى التداخل مع الآخرين بدلا من السماح لهذه المشاعر بتحطيمه من الداخل! تذكر ... قليل من الجهد ويكون التغلب على المشاعر "السلبية"، كما يحب علماء النفس تسميتها، أسهل من الاستحمام بماء حار في يوم بارد!


أيها القارئ المخلص المتابع لأحرفي إلى هنا، أتوقف عن الاستطراد في هذا الحديث وأعلن من خلال هذه المقالة توبتي من الكسل و عودتي للمدونة بقراءات متنوعة، فأنا لا أريد أن يشبهني أحد بحمار الفلاح الكسول!

ملاحظة: هناك من الكسالى من هو أسوأ ... ربما أعود إليهم في مقال لاحق!!

12 مايو 2009

الحادث المروع ... والبدوية الحسناء!



كنت في طريقي متجها إلى "قرن العلم"، حيث مقر عملي في صحراء عمان القاحلة. كان الطريق - وهو نفس الطريق المؤدي إلى صلالة - طويلا و شاقا، غير أنه كان ممتعا لانعدام المعالم الطبيعية فيه، فلم تكن هناك جبال تحجب الرؤية ولا رمال تعكس ضوء الشمس ... فقط أٍرض فضاء باعوجاجات تحكي تاريخا جيلوجيا موغلا في القدم. كان سبب متعتي بهذا الفراغ هو اختلافه عن المألوف الذي تعودنا عليه ونراه كل يوم، فمسقط محاطة بالجبال من كل صوب والرمال نمر عليها بكرة و عشيا، ولكن الفراغ و الهدوء أبعد ما يكونان عن هذه العاصمة .

أعجبني الهدوء، فقد كانت الأفكار و الأحلام سهلة التحقيق و المنال، وكنت أحقق في ذهني مشروعا لأتبعه بآخر اكبر منه دون كبير جهد مني، ولكنني لم أكد أذهب في هذه الأفكار بعيدا حتى قطع علي مشهد الحادث حبل أفكاري و أعادني بسرعة إلى أرض الواقع! كان الذي رأيت هو المشهد الأخير فقط لهذا الحادث المروع الذي علمت فيما بعد بأنه وقع قبل بضعة أيام. أوقفت السيارة بقرب الموقع و اقتربت من حطام السيارة و الشاحنة ... كنت أهاب رؤية الدماء و أتوجس منه، ولكني لم أجد مناصا من الاقتراب لأخذ بعض الصور للإعتبار و ليعتبر غيري ... بالمشهد طبعا لا بالتفاصيل التي لا أعلمها.

أخذت الصورة الأولى و أتبعتها بالثانية ثم الثالثة ... و فجأة قطع صوت أنثوي حبل أفكاري و انتزعني انتزاعا مما كنت فيه، قالت: "لا تصور ... أريد أمر"!

ومرة أخرى أهبط إلى أرض الواقع بعدما كنت غارقا في أفكار أشد حلكة من سواد الليل متخيلا ما أصاب ضحايا هذا الحادث ... غير أن الصدمة هذه المرة كانت مختلفة عن الصدمة التي سبقتها، فقد كانت لجمال المشهد لا بشاعته، فأنا لم أتصور قط أن تنجب هذه القفار القاحلة اليابسة شيئا بهذا الحسن و البهاء الذي ظهر جليا واضحا من خلف "البرقع" الذي فشل تماما في إخفاء ما وراءه، وكأنه سحابة فشلت في منع أشعة الشمس من الأرض، أو ككف تحاول الحفاظ على ما فيها من ماء دون أن تسعفها فراغات الأصابع! كانت نظرتي الأولى والوحيدة، غير أنها كانت كافية لقلب موازين الجمال و القبح التي كنت أؤمن بها قبل تلك اللحظة!

غلبني الحياء فلذت عائدا إلى السيارة لأكمل طريقي الذي بدا أشد قفارا من ذي قبل، و الغريب هو أنني نسيت تماما مشهد الحادث المروع لمشهد أروع منه، فقط لأتيقن بأن وقع الأشياء الجميلة يكون أشد من تلك القبيحة... و دوامها في النفس قد يكون أطول!

ملاحظة: لا أدري حقيقة لم كتبت هذا المقال، أمن أجل الحديث عن الصورة التي التقطتها أم ...!

28 أبريل 2009

هل كانت شجاعة مني أم حماقة ؟!


قبل خمس سنوات تقريبا... وقفت في أحد قاعات التدريس في الجامعة أمام جمع من المهندسين و الأساتذة لألقي خطاب الجمعية الأمريكية لمهندسي الميكانيكا. كان قد اختارني الفريق لأتحدث نيابة عن الفرع العماني للجمعية في حفل لتوزيع الجوائز على الفرق التي فازت في منافسة تصميم منزل "ذاتي القدرة" على الاستمرار بالطاقة المتجددة، دون الاعتماد على الطاقة المصنعة.

وقفت أمام الجمع الصامت، وفي داخلي غضب هادر ومشاعر ملتهبة. كنت في أحد الحالات التي لا أستطع فيها لجم داخلي - الثائر - من الظهور إلى السطح، وحين يحصل ذلك تختفي كل حسابات النتائج و العواقب ولا تركيز إلا على فعل ما يرضي ضميري. كان القرار قد اتُّخذ قبل بضع ساعات من الحفل ولم يكن هناك مجال للتراجع، ولم أكن لأفعلها حتى وإن رأيت مشنقة أمامي، فقد كنت مستعدا للذهاب بعيدا، بل وبعيدا جدا، ولم يكن ليردعني خوف.

كان الحفل في يوم الأحد في الثامن عشر من شهر إبريل لعام 2004، أي بعد يوم واحد من إغتيال الصقر القسامي الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، وبعد حوالي أسبوع من إغتيال الشهيد المقعد الشيخ أحمد ياسين. كان حبي لهاتين الشخصيتين عظيما لما يمثلانه من رمزية في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، و لصمودهم الأسطوري في سبيل القضية الفلسطينية دون أن يتزعزعوا قيد أنملة خلال مشوارهم الجهادي الطويل. ولهذا كان غضبي قد بلغ مداه إثر سماعي لخبر الاغتيال الثاني، ولم أكن لأترك منبرا دون التحدث عنهما والهجوم على الإرهاب الصهيوني و الأمريكي المساند له، وهذا ما فعلته بالضبط أمام جمع المهندسين و الطلبة في الحفل الآنف الذكر!

كان وقع كلامي - الذي تفاجأ به الجميع دون استثناء - كوقع الماء البارد على الوجوه. صمت مطبق خلال الحديث المنبري، وخلال الأمسية، وبعد الانتهاء منها! لم يعلق أحد على ما قلت، ولم أحصل حتى على تأييد ضمني أو تربيت على كتف من أحد من الحضور، بل ولا على توبيخ ينبهني إلى خطأ ما قمت به، اللهم إلا من هيئة التدريس في وقت لاحق من ذلك الأسبوع. صمتهم هزني، لأنه قطع علي سبيل الدفاع عما قمت به، ووضعوني في حالة شك: هل كنت على صواب باختياري لذلك المنبرللحديث عن شيء كنت أظنه يهم الحضور؟ هل أخذ بي الحماس بعيدا عن موازنة الأمور بمنطقية و إتزان؟ ...

قبل بضعة أيام، وأنا أقلب في أوراقي القديمة، وجدت قصاصة من الورق بها الخطبة التي ألقيت، أضعها أمام القراء الكرام ليخبروني ما لم يقله الحضور في ذلك اليوم: هل كانت شجاعة مني أم حماقة؟!

( لصورة أوضح للخطبة أدناه ... اضغط هنا)




03 أبريل 2009

رومــــــــــا


الوصــــول

عندما حطت بنا الطائرة في روما و استقبلنا رجال الأمن بزيهم الأزرق المائل إلى السواد ... ظننت بأن هذه الرحلة ستكون مختلفة عن سابقاتها من الرحلات، ربما ببعض المفاجآت مع رجال الأمن، خاصة وأن آثار ١١ سبتمبر ما زالت تنتشر كالنار على الهشيم في الإجراءات التي تبتدعها عقول رجالات الأمن في مطارات العالم. كنت واثقا بأن فريق المهنيين الذي كان معي لا علاقة له بالإرهاب، لا من قريب ولا من بعيد. فاطمأنت نفسي بأن هذه الإجراءات ما هي إلا روتين ربما يكرهها أصحاب البدلات الزرق أكثر من ضيقنا بها!

شغَلتُ فكري بمتابعة الناس من حولي، مستحضرا الموجود في فكري عن الطليان، من حبهم للفن المعماري و الرسم و بروزهم فيهما، وتفوقهم في صناعة البيتزا و براعتهم في الأزياء و الموضة و الموسيقى. كان لدي أيضا انطباع - لا أدري مصدره - هو أن الطليان هم بدو أوروبا! لا أدري مظاهر هذه البداوة ولا لماذا رُبط الطليان بها، لكنها كانت خاطرة أعترف بأنها زالت حالما خرجت من المطار.

انتهت إجراءات رجال الأمن و سلمونا جوازاتنا، فحييناهم تحية حارة من الأعماق و سارعنا بالرحيل قبل أن يغيروا رأيهم. كانت الزيارة الأولى لي ولمن كان معي، ولكن لم نجد صعوبة في الحصول على محطة القطار و التحرك بإتجاه المدينة، مدينة روما التاريخية. في محطة الوصول استقبلنا شاب ذو أصول مغربية، دلنا على فندق قريب لقاء أجر بخيس. ما الذي دعاه لمثل هذا العمل؟ وكم يجني من المال ؟ لم أهتم كثيرا للحصول على جواب فقد كانت الخدمة بالنسبة لنا مفيد جدا لما وفرته علينا من وقت و عناء حمل الأمتعة من مكان إلى آخر بحثا عمن يأوينا خلال الليل.

المديــــنة
قضينا ليلتين في روما كانتا من أجمل الأيام التي قضيتها في رحلة سياحية خارج وطني، فقد أبهرتني حقا تلك المباني و المدن التي شيدت في بدايات القرن الأول، وما صاحبها من هندسة و معمار يعتبر متطورا في هذا القرن، فكيف كانت وقتذاك ؟! كنا نجول في أورقة الحصارة الرومانية مشيا على الأقدام، فالمدينة القديمة كانت صغيرة نسبيا، والمشي من طرفها إلى طرفها الآخر لم يكن ليستغرق أكثر من ساعتين أو ثلاثة. حاولنا استخدام قطارات الميترو المكتظة، ولكنها كانت خطيرة بسبب كثرة النشالين الصغار الذين كنا نضبطهم وأيديهم الخفيفة المتمرسة تداعب جيوب الركاب بحثا عن غنائم، ولا يلبثوا قليلا حتى يحثوا الخطى بعيدا وهم يتبادلون الضحك متطلعين لاقتسام ما غنموه من السواح الذين سلبت المدينة عقولهم بجمالها و بهائها!

من المعالم التي شدتني إليها و جذبتني بعيدا في عالم الخيال هو المسرح الروماني العملاق. فالمسرح لم يكن أعمدة و خراسانات برع في تصميمها و تشييدها الرومان فحسب، بل كان تاريخا ينطق بعظمة الحضارة التي شيدتها ومدى تطور العلوم الهندسية و المعمارية في هذا الوقت المبكر من التاريخ. فعلى سبيل المثال، صُمم المسرح ليتحمل الهزات الأرضية، وقد أثبت التاريخ قدرة هذا البناء الضخم على البقاء مع عوامل التعرية الطبيعية القاسية التي مر بها. كما صممت أرضيته الخشبية المغطاة بالرمل لتتحمل أوزان شتى أنواع الحيوانات في العروض التي برع في إبداعها الرومان، هذا مع وجود طابقين سفليين يقعان تحت هذه الأرضية تُحجز فيهما الحيوانات و يقبع فيها المقاتلون قبل بداية العروض المميتة. وأما المقاعد فقد كانت تتسع لخمسين ألف متفرج، ويقال بأن المسرح كان يحوي غطاء خشبيا في أعلاه يرفع بآلات يدوية مثبتة على الأرض، يغطي المسرح بالكامل لحماية المشاهدين من أشعة الشمس وزخات المطر! كان هذا مدهشا بما فيه الكفاية، غير أن دهشتي زادت لمّا حدثنا مرشدنا السياحي عما كان يدور في المسرح من عروض ومفاجآت.

قال المرشد الذي كان يتحدث الانجليزية بطلاقة، أن من أغرب العروض التي عرضت في المسرح في ذلك الزمان الغابر هو يوم أتي بإثني عشر أسدا حبسوا في الأقفاص بلا طعام، ثم أتي بإثني عشر فيلا ممتلأً ووضعوا في المسرح قبل أن يطلق سراح الأسود الجائعة. ولكم أن تتصوروا الملحمة التي دارت بين الفريقين، ومدى الدهشة التي أصابت الحضور وهم في الغالب لم يروا مثل هذه الحيوانات من قبل! لم أمنع لساني من البوح بما شغلني: من الذي فاز؟! قال المرشد: لا يهم، فالكل في نهاية العرض يُقتل! ... كانت الأرواح ليست بذاك الأهمية، فكمن من محارب قَتل و قُتل لإلهاب مشاعر المشاهدين في المسرح، بل يقال بأن أكثر من ٥٠٠ ألف مقاتل قتل في المسرح، ناهيك عن مئات الآلاف من الحيوانات التي سفكت دمائها دون أن تدري ماذا جنت لتذبح هكذا. والهدف - كما أخبرنا المرشد - هو شغل الناس بالملهيات حتى يستتب الأمر للإمبراطور الروماني. حتى أنه كان هناك ٥٢ من مختلف أنواع الملاهي في مدينة لا يقطنها سوى بضع مئات من الآلاف من الناس!


ومن الحوادث الطريفة التي مرت بنا في أعتاب المسرح الروماني، هو حينما جائنا ثلاثة من الطليان متقنعين بثياب الحرس الروماني القديم سائلين إن كنا نريد التصوير معهم. نظرنا إلى بعض ثم قررنا دفع واحد منا للتصوير، رفض في البداية ثم مع إلحاحنا قبل على مضض دون أن ينتبه للإبتسامة التي علت شفاهنا عندما أولانا ظهره. بدأنا في تصويره و الرومان الثلاثة يحيطون به مبتسمين أولا، ثم في وضعية المقاتلين، ثم قبضوه و كأنهم يريدون ذبحه، وأخيرا واضعين السيف بين رجليه وكأنهم ينوون خصيه! ونحن - المشاهدين - في كل هذا ما بين القهقهة و التصوير، لا ندري أنضحك على ما يفعله الرومان الثلاثة أم على نظرة البلاهة و الحمق التي علت وجه صاحبنا! (لولا الحياء و الاحترام الذي أكنه لصاحبي هذا لوضعت الصورة هنا لتشاركوني الضحك)

بعد أن انتهى صاحبنا ودفع للصوص الثلاثة ٤٠ يورو (أي ٢٠ ريالا!) حاولوا الحصول على زبون آخر، ولكن هيهات أن يضحكوا علينا كما فعلوا بصاحبي. وكان مما قالوه بأنكم أنتم العرب تمتلكون آبار النفط في حدائق بيوتكم الخلفية، ولا تريدون دفع ما عندكم من مال إلا لأسامة بن لادن و أمثاله! كان لزاما علينا الرد، ولم يكن غيري ممن معي يملك تلك الإندفاعة الحمقاء التي عادة ما تودي بصاحبها إلى ما لا تحمد عقباه، فقلت بحس المداعب الضاحك: أستطيع أن أوصل المبلغ إلى أسامة إن أردت؟! ... نظروا إلينا شذرا وقرروا الرحيل، ونحن أيضا سارعنا بالرحيل بعد أن عاد إلي شيء من العقل و حسبت ما تستطيع هذه الكلمات زجي إليه!



الرحـــــيل

زرنا خلال اليومين مواقع عدة، مثل الفاتيكان، أصغر دولة في العالم و معقل الكنيسة الكاثلوكية، و مررنا ببناء البرلمان الروماني، و أطلال الحضارة الرومانية، و العديد من الكنائس الجميلة و القصور البهية، وكذلك مقر "الصرف الصحي" الذي كان يأخذ المياه بعيدا عن المدينة وما زال يعمل إلى يومنا هذا! ولم يفتنا زيارة مبنى في أسفله بحيرة جميلة يقال بأن من يرمي فيها بضعة قروش لا بد أن يجد السبيل إلى قلب من يحب ، فرمينا مقلدين لا مؤمنين، مع أن كل ما في روما كان ينطق برومانسية لم أشهد لها مثيلا في مدن أوروبا الأخرى. ولم يفتنا أيضا زيارة قوس النصر الجميل الذي شيد بعد انتهاء الحرب العالمية.

انتهت الزيارة سريعا، وقررت بأن العودة إلى روما شيء لا بد لي منه، فقد بهرتني بجمالها الخلاب و مبانيها الأنيقة و عبقرية معمارييها و مهندسيها وروعة فنانيها و رساميها. انطلق القطار عائدا بنا إلى المطار، وفي بالي سؤال ملح: كيف سقطت إمبراطورية هكذا كان شأنها وتلك كانت قوتها و عبقريتها؟ ما هي عوامل سقوطها؟ وكيف نهض بها أبناؤها من جديد؟ فتذكرت قول المولى الحق في كتابه الكريم: ((وتلك الأيام نداولها بين الناس))!




31 ديسمبر 2008

رسالة إلى سفير مصر في سلطنة عمان



لا تعتقد - سعادة السفير - بأن ما قاله بن علوي في تصريحه الصحفي عقب اختتام القمة الخليجية في مسقط سيغير من واقع الحقيقة شيء. ولا تعتقد، أيضا، أن ما قاله الوزير يمثل الشارع العماني أو الشارع العربي، فالسفير هنا يمثل الأقلية الرسمية لا الأكثرية الجماهيرية و الشعبية. فالشارع العماني و الشارع العربي أصبح أكثر إقتناعا من ذي قبل بتواطئ الحكومة المصرية و مشاركتها للجريمة الصهيونية بغزة. وهي و إن كانت في السابق عكاز العرب – كما قال معالي الوزير – فإنها اليوم العمود الضائع في المعادلة العربية الاسرائيلية.

أرجو أن لا تغضب من هذا الكلام، فما أقوله لا يخرج عن إطار الحقيقة التي ظهرت لنا من خلال المواقف المتأخرة لهذا البلد العظيم بشعبه و تاريخه لا بحكومته. سيدي السفير، كل المؤشرات تقول بأن هناك مؤامرة مصرية إسرائيلية قذرة تحاول طمس فكرة المقاومة و إنهاء حكم حماس في غزة، و لا يهمها إن كان ثمن ذلك هو أرواح الأبرياء من المسنين و النساء و الأطفال ما دامت الأحداث تصب في صالح الحزب الحاكم و مباركة الولايات المتحدة الأمريكية له. وقد أكد لنا سيادة الرئيس مواقف مصر عندما قال بأن المعابر لن تفتح إلا بعد عودة الشرعية إلى غزة، ناسيا أن الشرعية الحقيقية هي حماس التي جاءت من خلال صناديق الاقتراع التي لم يشكك في صحتها أحد، و أن الانقلابيون الحقيقيون هم الرافضون لنتائج الانتخابات والساعون لتغييرها بقوة السلاح و التآمر مع العدو الصهيوني، أي عباس و فياض و من سار في فلكهم.
أحاول سيدي السفير أن أبحث لكم عن مبررات و أسباب، ولكنني كلما تعمقت أكثر كلما أدركت كم أن حزبكم الحاكم غارق في غيه و ضلاله و استهتاره بأرواح الغزيين الشرفاء، بل اكثر من ذلك و أسوأ هو محاولة تبرير ما تفعلونه بأنه في صالح القضية الفلسطينية وهو ليس كذلك لأسباب ستأتي في متن هذه الرسالة.

تقول المعادلة بأن صديق صديقي صديقي، و صديق عدوي عدوي. وهذه المعادلة و إن كانت محاولة لتبسيط قضايا كبيرة غير أن لها معاني عميقة في توضيح استراتيجيات التحالفات و العداوات بين الدول. فمثلا، أن يبارك بوش دور مصر في هذه الازمة، مع العلم بأن الأمريكان بالذات شدوا علي أيدي الإسرائيلين و قالوا لهم: امضوا فيما أنتم فيه و نحن من ورائكم نكف عنكم ضغوطات المجتمع الدولي، يعني بكل بساطة أن دور مصر كان يصب في مصلحة الحتلال الصهيوني لا في مصلحة الاشقاء الفلسطينيين!

هذا من جانب، ومن جانب آخر أود تذكيركم بتهديدات وزير خارجيتكم – وهو بالمناسبة يفتقر لكل أنواع الدبلوماسية التي يتحلى بها وزراء الخارجية في العام – عندما قال: سنكسر أرجل الفلسطينيين إذا ما حاولوا دخول مصر عن طريق رفح! و أذكرك بقيام أجهزتكم الاستخباراتية باعتقال كوادر حماس في محاولة لانتزاع اعترافات منهم حول مكان الجندي الاسرائيلية الأسير جلعاد شاليط! و أذكرك بقصة منع دخول المساعدات إلى الفلسطينيين عندما كانوا في أمس الحاجة إليها! بل و منع وصول الامدادات الغذائية لمناطق الحدود في رفح لكي لا يجد الفلسطينييون ما يشترونه بحر مالهم إذا ما تجاوزا المعابر! ولا تنس سيدي السفير تهديدات ليفني في مصر ووقوف أبو الغيط بجانبها كشيطان أخرس لا يحركه امتهانها لكرامة مصر وكرامته شخصيا في أخزى و أسوأ مشهد يمكن لمصري أن يراه في حياته ... وزيرة خارجية العدو تهدد إخوان العروبة و الإسلام دون أن يكون هناك من يردعها أو يرد عليها!

الحديث يا سعادة السفير ذو شجون، وقد تركت عامدا الكثير من الأحداث لكي لا أطيل عليك و أنا أعلم ما بك من غيض اتجاه ما تقرأ، ولكن ثق بأن ما تقرأه يمثل رأي الغالبية العظمى من هذه الشعوب التي كانت تتوقع من مصر الإسلام و مصر العروبة موقفا يختلف جذريا عما اتخذته من مواقف خلال السنوات القليلة الماضية. وليكن في علمك سعادة السفير أننا نتمنى انقلابا في مصر ... لا انقلابا ضد الحكومة – ولو أنه خيار ربما لا مفر منه إن استمررتم بنفس الخط المريب هذا – ولكن الذي أقصده هو انقلابا في المواقف و انقلابا في الاستراتيجية، فلا نظنكم – كحزب حاكم – جاهلون مدى الضرر و العار الذي ألحقتموه بأنفسكم من خلال هذه القراءة الخاطئة لما سيخلفه دوركم السلبي في هذه الأزمة. فكل المؤشرات و كل القراءات تقول بأنكم الخاسر الأكبر مما يحصل، لأن خسارتكم ليست مقتصرة على خسارة ثقة الشارع الفلسطيني فقط، ولكنها أيضا خسارة للعمق الحقيقي الذي تستطيعون الاستناد إليه إن انقلبت الموازين و تغيرت الوقائع السياسية على الأرض
.

27 نوفمبر 2008

ألم يحن وقت المظاهرات بعد ؟!





لم يدر في خلدي أن يأتي اليوم الذي تلام فيه الشعوب على سلبيتها التامة في التفاعل مع قضايا الأمة الكبيرة، و قضية فلسطين تحديدا، لارتباطها الوثيق بعاطفة المسلم و عقيدته. نعم، أتفهم أن لا يتحرك الحكام إزاء ما يدور في غزة فليس ذاك بغريب على أنظمة لا تملك أمرها. ولكن أن يطال الصمت و السلبية إلى شعوب بأكملها فهذا ناقوس خطر علينا قرعه بشدة ... و ربما قسوة إن اقتضى الأمر!

كانت انتفاضة الأقصى الثانية و مقتل محمد الدرة ثم إيمان حجو على أيدي القوات الصهيونية سببا مباشرا لمظاهرات انطلقت من جامعة السلطان قابوس في نهاية عام ٢٠٠٠ و منتصف عام ٢٠٠١. وكان الشارع العماني متفاعلا مع هذه المظاهرات و متلهفا للمشاركة فيها كونها كانت المتنفس الحقيقي للتعبير عن حالة الغضب العارم و المشاركة العاطفية و والوجدانية مع شهداء فلسطين و أهلها الذابون عنها. فكان الشيخ الكبير يمشي جنبا إلى جنب مع الشاب و الطفل و المقعد، الكل يصرخ و يهتف "سحقا سحقا يا يهود جيش محمد سوف يعود" أو يصيح "بالروح و الدم نفديك يا أقصى" دون كلل أو ملل، رغم المسافات الطويلة التي كانت تتخذها مسارات هذه المظاهرات. بل حتى النساء شاركن أزواجهن و أبنائهن و آبائهن في هذه المسيرات!

كانت شرارة المظاهرات في الخليج بدأت في عمان، ثم انتقلت إلى البحرين و السعودية و الامارات وقطر تباعا. كم مظاهرة خرجت من رحم الجامعة، وكم مظاهرة سيرت في شارع الوزارات وانتهت بصد المتظاهرين ومنعهم من الاقتراب من السفارة الأمريكية، و كم مظاهرة خرجت بعد محاضرة لسماحة الشيخ عندما كانت فلسطين هي لب الحديث. حتى النساء كان لهن نصيب من هذا الحراك حين نظمن مظاهرة نسوية ضد الاعتداءات الصهيونية على مخيم جنين!

كانت الرسالة إلى المجتمع الدولي واضحة: لن نرضى بالوقوف صامتين أمام الجرائم الإسرائيلية و الصمت العربي ... فتفاعلت الأنظمة مع هذا الحراك وهذه العواطف، فأغلق مكتب التمثيل التجاري لإسرائيل في عمان في التفاتة رائعة من سلطان البلاد إلى العاطفة التي ملأت كل بيت عماني. وتغير بعدها دور شرطة مكافحة الشغب من الضرب بالهراوات و الغاز المسيل للدموع في أول مظاهرة إلى محاولة لتنظيم المظاهرات و المتظاهرين و إخلاء الشوارع لهم! وقامت الجرائد من عثرتها على استحياء لتنشر أخبار هذه المظاهرات في الصفحة الأولى بدلا من الاعراض عنها وتجاهلها رغم ما كانت تبثه القنوات الفضائية عنها!

فأين ذهبت تلك الحمية التي أصابت عمان من أقصاها إلى أقصاها آن ذاك؟! هل أعمتنا بهارج الدنيا و زخرفها و زينتها عن رؤية المصيبة الجاثمة على صدور أبناء غزة؟ هل ماتت ضمائرنا فشحت النفوس ولو بكلمة مؤازرة و انتصار واحدة؟ أين اختفت تلك المشاعر الجياشة التي أبكت كثيرا من النساء و الرجال وهم في بيوتهم يتمنون أن لو كانوا مع المتظاهرين ؟ كم من هاتف كان يُرفع وسط هذه الجموع لنقل الهتافات التي كانت تخرج بصوت رجل واحد لكي يشارك أهل بيته هذه الانتفاضة!

ثقافة التعبير عن الرأي من خلال المظاهرات سمة حضارية تستخدمها كل شعوب الأرض، وهي الطريقة الامثل لإبقاء النفوس حية و متفاعلة مع ما يدور في العالم، وقد تكون الطريقة الوحيدة لإخبار شعب فلسطين بأن ما يصيبهم يؤرقنا كما يؤرقهم و يؤلمنا كما يؤلمهم، وأننا لا نرضى أن نقف مكتوفي الأيدي و مليون و نصف المليون فلسطيني محاصر و يواجه خطر الموت جوعا أو مرضا. إنها رسالة العواطف يا سادة في وقت يحتاج فيه أهل غزة إلى من يتعاطف معهم، وهي رسالة الغضب لتعلم الانظمة بأن عليها أن تتحرك بما عندها من إمكانيات، وهي أخيرا رسالة الإنذار ليعلم الصهاينة بأننا شعوب ما زالت حية!

12 نوفمبر 2008

حوار الأديان و ثقافة السلام




انتهى قبل قليل شيمون بيريز من إلقاء كلمته في مؤتمر حوار الأديان الذي دعا إليه الملك عبدالله بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية. ولا أبالغ إن قلت بأن إسرائيل قد حققت من خلال هذا المؤتمر ما لم تحققه منذ معاهدة السلام مع مصر. فها هو رئيس "دولة" إسرائيل يقف أمام عدة رؤساء عرب، ويوجه خطابا مباشرا إلى ملك السعودية، الذي استمع بإنصات إلى "رسول المحبة و السلام" شيمون بيريز، دون أن ينسحب كما نصت البرتوكولات العربية الغير معلنة!

وصف بيريز مثوله في قاعة واحدة أمام عدة رؤساء عرب لا تربطهم بإسرائيل اتفاقية سلام بأنه "حدث محوري" في تاريخ المنطقة و مستقبلها، وما لم يذكره بيريز - الذي رصع كلمته بحكم و أمثال تدعو إلى السلام و نبذ العنف - هو أن هذا الحدث هو المشهد الأشد خزيا و الأكثر عارا في جبين كل الدول العربية التي رضيت بالمشاركة في ظل الظروف الذي تعاني منه غزة الجريحة. ولم يقل بيريز أيضا بأن الهجوم الإسرائيلي الذي أوقع أربعة قتلى في صفوف المقاومة الفلسطينية صباح هذا اليوم هو جزء لا يتجزأ من رسالة إسرائيل في مؤتمر حوار الأديان مفاده أن هذه المؤتمرات لا تعني لهم شيئا البتة، و أن الحاضرون من العرب و زعمائهم لا يساوون جناح بعوضة عندها.

سأتجاوز رسالة إسرائيل و خطاب بيريز، و أتجاوز مهزلة تمثيل بيريز و ليفني ليهود العالم في هذا المؤتمر، فالمأساة يا سادة أكبر من هذا الخطاب وذلك التمثيل، إذ يبدو أننا نعاني خللا مركبا في العقلية التي تسير السياسة العربية في هذا العصر، أو ربما هو خلل في ضمير الأمة التي سمحت لشرذمة أن توصلنا إلى ما وصلنا إليه من ذل و مهانة. فما معنى أن تتبنى السعودية هذا المؤتمر و تسعى إليه و تدعو فيه إسرائيل في وقت يتعرض فيه أهل غزة إلى أبشع أنواع الحصار في العصر الحديث؟ كيف ظن العاهل السعودي أن يمكن الحديث عن السلام مع إسرائيل وهناك أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية ؟ ناهيك عن الجراح التي ما تزال تثعب دما، و الأرامل و الأيتام الذين لم تجف دموعهم بعد! كيف يمكن للملك أن ينسى مؤتمر أنابوليس الذي لم يجف حبر بيانه الختامي إلا و المستوطنات الإسرائيلية تكاد تقضي على ما تبقى من الضفة!

لو أتى هذا الحوار في ظروف أخرى، في أوج الانتفاضة الثانية مثلا أو بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حينما ساءت سمعة المملكة العربية بسبب الاتهامات المتعاقبة لها بنشر ثقافة العنف و الكراهية و تصدير الإرهاب، لكانت القراءة مختلفة ولتفهمنا سبب الدعوة لحوار الأديان. أما وقد جاءت في ظل الظروف الحالية فلا أستطيع فهم المكاسب الاستراتيجية التي ستكسبها الدول العربية عموما و السعودية خصوصا من هذا المؤتمر ؟! اللهم إلا إن كانت هذه المسرحية تهيئة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، تحت مظلة التسامح بين الأديان!

يبدو أن علينا أن نهيء أنفسنا لمرحلة جديدة لا نستغرب أن نرى فيها أعلام الصهاينة ترفرف في أراضينا. بل وعلى المقاومة الفلسطينية أن تتهيأ أيضا، إذ يبدو أنها ستضطر أن تواجه فيها الدولة العبرية لوحدها دون أن يكون لها سند في المحافل الدولية و الجامعة العربية. نحن مقبلون على مرحلة قد لا تنزف فيه دماء كثيرة، ولكن حتما فإن الكثير من كرامة الأمة العربية و الإسلامية ستزول، وسيكون غسل دماغ الشعوب بثقافة "السلام" الهم الأكبر للأنظمة العربية، ولن أستغرب إذا جاء اليوم الذي يسأل فيه الإبن أباه: أبتاه، ما معنى المقاومة؟ ولماذا يقاتل الإرهابيون إخواننا اليهود؟!

13 مارس 2008

رأي الوطن - مجاملات أم جهل بالأحداث؟!


أود أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى أنني لست من دعاة الرأي الواحد و القطب الواحد، فلكل‌ الحق في تبني وجهة النظر التي يؤمن بها، و الدفاع عنها و الانتصار لها. و الخلاف في الرأي - دون أن يفسد الخلاف الود - صورة من صور الوعي الحضاري، وهي ظاهرة صحية للشعوب الحية المتفاعلة و الفاعلة في الساحة الفكرية و السياسية و الاجتماعية. ولكن ليكون لأي وجهة نظر مصداقية فعليها أن تكون واقعية في الطرح و بعيدة عن المجاملات الرسمية ، وفوق هذا أن تكون قائمة على حقائق لا أوهام.

طالعتنا الوطن في افتتاحيتها البارحة مقالا بعنوان "حذار من الفخاخ الإسرائيلية"، و أنا أتفق مع ما جاء في المقال من تحذير من الفخاخ الإسرائيلية و لا أختلف مع الوطن حول هذه النقطة. ما أثار إستيائي هو أن الافتتاحية ضمت مغالطتين كبيرتين في حق الشارع المهتم بما يجري في الساحة الفلسطينية. و المغالطتين قد يكونا مجاملة رسمية و تبني للخط السياسي الرسمي و إما جهل بالأحداث و ما يجري على واقع الأرض. وفي كلا الحالتين هي مصيبة لجريدة من المفترض أن تكون متحررة فيما يصدر لها من آرآء حول ما يجري في الساحة الدولية - ناهيك عن الساحة الداخلية و لكنه موضوع آخر- وهي مصيبة أكبر إن كانت -كمؤسسة- لا تستطيع الإستفادة من قاعدتها البيانية و إستخراج وتقصي آخر ما استجد من أحداث ومعلومات.

تقول الوطن وهي تتكلم عن قادة فتح و رئيسها محمود عباس: ( وهم ايضا القادة الشرعيون للسلطة الوطنية الفلسطينية). و تقول أيضا: (فمن باب التذكير فقط يمكن القول ان هذه المساعي الاسرائيلية المشبوهة لتعميق الوقيعة بين فتح وحماس ستبوء بالفشل مع قادة حماس كما باءت بالفشل مع قادة فتح.فلن تنسى اسرائيل ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض اكثر من مرة استخدام العنف ضد حماس، وذلك على الرغم من الإغراءات الاميركية بإمداده بالسلاح والمال والعتاد اللازم لذلك)

في الأولى مجاملة صارخة و في الثانية جهل بالتقرير الصادر عن مجلة "فانيتي فيير" الأمريكية و التي تثبت بما لا يدع مجالا للشك ضلوع عباس و من معه في حرب حقيقية و قذرة ضد خيار الشعب الفلسطيني. فمن المعلوم أن حماس هي التي فازت بثقة التشريعي و هي التي فازت في أحقية تمثيل الحكومة الفلسطينية. و لكن لأن خيار الشعب الفلسطيني - الديموقراطي - لم يعجب الغرب و العرب و عباس على حد سواء، فقد شاركوا جميعا في محاولة إقصاء حماس عن السلطة. ومن المعلوم أيضا أن حرب الحصار على غزة - حينما لفظت حماس قادة الفتنة خارج القطاع - كانت محاولة فاشلة لإرجاع قادة الفتنة وعلى رأسهم دحلان إلى غزة ليعيثوا فسادا كما فعلوا من قبل، من قتل على الهوية و مصادرة لحق المقاومة الشرعية. هذا فضلا عن قتل الشيخ مجدي البرغوثي عن طريق تعليقه من رجليه رأسا على عقب بأيدي حرس عباس شخصيا.

الخلاصة هو أن القيادة الشرعية للسلطة الفلسطينية ليست لعباس فقط ولكن لحماس أيضا كسلطة تشريعية من خلال المجلس التشريعي و كسلطة تنفيذية من خلال الحكومة الفلسطينية التي سُلبت منها سلبا، و أن عباس - وقادة إنقلابه - ضالعون في عملية تصفية حماس الجسدية وغارقون في القتل على الهوية.

هناك مغالطات أخرى - وحسنا في الظن نضعها في إطار الجهل بما يجري في الساحة - منها أن عباس قد تلقى إغراءات من أمريكا و الدولة العبرية بإمداده بالسلاح و العتاد لمحاربة حماس. فما زعمت الوطن أنها إغراءات هو في الواقع أمر حاصل و قد قبل به عباس - أسلحة تقدر قيمتها بملايين الدولارات- وقبل إستخدامها مستشار الأمن القومي الفلسطيني و رأس الفتنة الحاصلة في فلسطين محمد دحلان، بل و كانوا قد شرعوا في تدريب عناصرهم و تسليحها إستعدادا لسحق حماس عسكريا في غزة و إقصائها من السلطة لولا تنبه قادة حماس و حسمهم للأمر في صالح خيار الشعب الفلسطيني .

أنا لا أرضى للوطن هذه الزلة، وهي الجريدة العمانية الأقرب إلى الشارع العماني. فإستقلال الجريدة عن الخطاب و المجاملات الرسمية سيعطيها مصداقية أكبر، و لو على الساحة الخارجية إبتداء. ثم قربها من الحدث العربي الإسلامي الأهم في قلوب الجماهير و الاهتمام بآخر المستجدات الفلسطينية و فرزها و إبرازها سيكون له أثر إيجابي في تبني وجهات نظر هي أقرب إلى الواقع.

سعيد المسكري

٥ ربيع الأول ١٤٢٩ هـ

١٣ مارس ٢٠٠٨ مـ

الحارة العمانية