‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر إسلامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر إسلامي. إظهار كافة الرسائل

30 مايو 2012

السلطة في الإسلام (ج1) - 2


الجزء الأول من القراءة هنا: http://saidreviews.blogspot.com/2009/11/1-1.html



مدخل: قراءة في الجدل مع التاريخ



يتطرق المستشار في هذا المدخل إلى "الميلاد المزدوج" للنص (الحديث أو السنة النبوية) وأثر ذلك على النصوص السياسية التي أصبحت "مجالا مستباحا للعبث، بالتوليد و التأويل على السواء". والمقصود هنا بمصطلح الميلاد المزدوج للنص هو وجود لحظتين وُلد فيهما النص، لحظة التلقي الأولى، ثم لحظة التدوين النهائي المنظم والتي جاءت بعد اللحظة الأولى بقرن وانتهت بعد ذلك بقرن.

أهمية هذه الملاحظة ستتجلى واضحة لاحقا، فهي العامل الأساس في تكوين نظرية السلطة في العقل الفقهي السلفي. وهي عامل مهم في فهم سر توافق النظرية باستمرار "مع الأنظمة الحاكمة المتعاقبة جميعا، على اختلاف توجهاتها ونظمها وطرائق وصولها إلى السلطة".

فما هو إذن قانون حركة النص مع التاريخ؟ ما هي عوامل تغير النص مع تغير المعطيات التاريخية لحظة تشكل التاريخ؟ هذا ما سيجاوب عليه المستشار في الفصل الأول للكتاب، وهو ما سأطرحه بعد هذه المشاركة وأكتفي به في هذه القراءة السريعة.

أما الفصل الثاني و الثالث فهو تطبيق عملي مباشر لقانون النص - النص المتعلق بالسلطة - فنقرأ النص القرآني على ضوء التاريخ في الفصل الثاني ثم نقرأ السنة النبوية على ضوء التاريخ عملا بالمنهج ذاته في الفصل الثالث. ولكنني أعتذر عن الخوض في هذين الفصلين كون أن قراءة مثل هذه تتطلب كثيرا من الوقت الذي قد لا أملكه في الفترة المقبلة.


الفصل الأول: قانون النص



"وإنما تكمن المشكلة في تحميل هذا الفقه بمرجعية إلزامية ممتدة في الزمان، تمارس على واقع زمني لاحق صلاحية النص ومكانته. لأن الفقه حينئذ يكون قد تحول إلى نص".

الإشكالية التي يطرحها الكاتب هو مزاحمة أقوال السلف للنص الإسلامي وجعله ملزما على من أتى بعدهم وكأن النص لا يفي بأغراض التشريع المتجددة مع حركة التاريخ. وفي المقابل وكأن "الحكم الفقهي" قد حل إشكالية حركة الزمن، وهي في الحقيقة لم تفعل ذلك بقدر ما خلقت "فجوة بين العقل الإسلامي الراهن وبين العصر". ومن هذا المنطلق فإن المستشار يصل إلى النتيجة التالية: (النص وحده يصلح للعصر – المنظومة السلفية المدونة ليست نصية – العقل المسلم الراهن مبني على هذه المنظومة الأخيرة – الفجوة إذن حتمية بين هذا العقل المسلم وبين العصر)!

 
الأقسام اللاحقة من هذا الفصل تناقش القضايا الثلاث المطروحة مناقشة تفصيلية: فيبدأ بكيفية "عمل النص الثابت مع الزمن المتغير". ثم يناقش كيف أن المنظومة الفقهفكرية لم تؤسس بشكل كامل على النص الخالص، بل "اعتمدت في عملية التأسيس أصولا إضافية غير نصية كالقياس والاجماع و أقوال الصحابة ... الخ. ثم أخيرا يتطرق إلى العلاقة العضوية بين العقل الراهن و العقل السلفي الأول.


فكيف إذن يعمل النص "الثابت" مع الزمان المتغير؟


قبل إجابة السؤال وطرح ما يسمى بقانون النص، فإن الكاتب يلفت أنظارنا إلى حقيقة أن العقل الفقهي السلفي قد حصر نفسه بالنظرة اللغوية للنص. فقد كان البيان هو مفتاح علم الأصول عند هذا العقل (بخلاف إبن حزم الذي كان يرى أن المفتاح إلى الأصول هو المنطق وأن الحاجة إلى اللغة هي بقدر ما تفهم هذه النصوص). والإشكالية المطروحة هنا أن الآلة اللغوية بمفردها لا يمكن لها أن تحيط بالنص، لأنها أولا محدودة: أي أنها قابلة للحصر والانتهاء كما فعل الفراهيدي عندما حصر كلام العرب. وثانيا لأنها إقليمية: أي أنها وثقت في المعاجم اعتمادا على الاستخدام البدوي لمفرداتها، ومهما بلغت بهم البراعة في البيان فإن لغتهم كانت محصورة ببيئتهم. وبالتالي فإن الآلة التعاملية البديلة يجب أن تكون في مستوى النص اي كوني مطلق، وهي – في نظر الكاتب – "مبادئ العقل وحركة نشاطه الداخلي".


كيف يعمل النص في التاريخ؟ ما هو قانون النص الذي يريده الكاتب؟

القانون يقوم على قاعدتين أساسيتين أوردهما مع شرح بسيط حول كنههما كما وصفها الكاتب:

1- دائرة المباح: كل ما لم يأت به نص فهو يقع في هذه الدائرة، ولا معنى لاستجلاب نص فقهي من خلال الإجماع أو القياس بحيث يكون ملزما على امتداد الزمان. "بذلك أن قانون النص يعمل من خلال دائرة المباح، داخل الواقع البشري في زمن بعينه ومكان بعينه، معترفا له بدوره الطبيعي في حركة التشكيل".

2- خاصية الاكتناز: وذلك "أن بالنص منطقة مخبوءة متحركة، أو طاقة مكنوزة مجهزة للتمدد والإنتشار". أي أن النص يعمل في الواقع المعاش، "ومن ثم فلا سبيل إلى فهم النص على حقيقته في زمن معين، إلا بفهم الواقع المباطن لهذا الزمن واستيعابه". وأما محاولة إلزام النص بواقع زمني سابق فإن هذا يفقد النص "طاقته التشغيلية الكاملة". وأدل مظهر على خطورة عدم فهم خاصية الاكتناز هو عملية تنصيص التاريخ: أي "إبراز نصوص تفصيلية متطابقة مع الأحداث اللاحقة تطابقا تفصيليا تاما"، مما حدا بالعقل الفقهي السلفي أن يتناول النص من خلال ماضيه ويحجب بالتالي الواقع الزمني المتغير ويحجم عن دوره في استخراج مكنوزات النص وبالتالي تعطيل النص عن العمل بكامل قدرته التشغيلية.


بعد بيان "قانون النص" يأخذنا الكاتب في رحلة شبه تاريخية لمعرفة موقف العقل السلفي المسلم اتجاه القواعد التي تحكم حركة النص وموقفها من المرجعية المفارقة للنص أي مرجعية التاريخ. ويبين بكل وضوح بأن الهدف من هذا هو "فهم الكيفية التي كتبت بها النظرية السلفية في السلطة على وجه التحديد". فيبدأ بالعقل السلفي الطاغي، أو ما عرف باسم السنة و الجماعة، ثم الخوارج ثم الشيعة وبعدها المعتزلة وأخيرا مدرسة ابن حزم. وسأختصر قوله في المدارس الثلاثة الأولى.

أما عن المنظومة السلفية فقد اعتمدت القياس و الاجماع وجعلته مصدرا يوازي النص، وألزمت نتاج جيل على الأجيال التي تليه. والمشكلة ليست في الإجماع و القياس وحدهمها – فهما أدوات الاجتهاد، ولكن المشكلة في إلزام ما صدر عنه من جيل على الأجيال التي تليه مغلقا بذلك باب الاجتهاد. ونرى كيف استعانت هذه المنظومة بنصوص - أو بالأحرى اختلقتها - لتضفي شرعية على السلطات الحاكمة المتعاقبة عليها في مقابل نصوص المعارضة، الشيعة تحديدا. "الأمر الذي يؤكد من جديد، بأن النظرية السلفية في الإمامة، أو نظرية الخلافة عند "أهل السنة والجماعة" ليست نتاجا مباشرا لنص إلزامي خالص، وإنما هي صناعة التاريخ أو هي بعبارة مكافئة، من صناعة السلطة".

وأما عن الخوارج فقد رفضوا النظرية السلفية في الخلافة ، فهي ترفض القرشية أولا، وتوجب – ثانيا - الخروج على الحاكم إذا اجتنب العدل. بينما المنظومة السلفية حصرت الخلافة في قريش، وبسبب العلاقة العضوية بين التنظير الفقهي و السلطة ومن خلال التنصيص السياسي فهي تحرم الخروج على الحاكم على الإطلاق، بل تعتبره أشبه بالكفر معتمدة بذلك على "فعل" السلف لا على النص. ويعلق المستشار فيقول "نجد النظرة الخارجية مستمدة بشكل أولي من النص الخالص".

وأما عن الشيعة فمع أنها تمارس الاجتهاد بعقلانية أكبر وتحرر أكبر من السلفية كون أنها لم تعتمد "السلف" كمشرع، غير أن موقفها من قانون النص "ينطوي على إشكالية نصية وأصولية خطيرة". ذلك أنها تعتبر قول الأئمة نصا بحد ذاته، ولذلك دخلت "في دوامة الاستنصاص و التنصيص" أي طلب النص بعد الحاجة إليه و تصنيع النص بطريقة تريكيبية موافقة للأحداث. كان هذا يعني بأنه لم يكن هناك داع للاعتماد على "السلف" لأن النص – من خلال إمام العصر – كان دوما حاضرا عند الحاجة إليه.






***

انتهى


ملاحظة: الموضوع كتبته قبل عامين تقريبا في الحارة العمانية
http://alharah2.net/alharah/t13470.html








19 نوفمبر 2009

السلطة في الإسلام (ج1) - 1


" ... لعبت السلطة – بشكل مباشر في بعض الأحيان – دورا جبروتيا طاغيا في تشكيل العقل، لا أقول العقل السياسي الإسلامي فحسب، بل العقل الجمعي الإسلامي العام. وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى ما يقدمه هذا البحث من أطروحات حول إشكالية السلطة، هذه الإشكالية التي تكمن في رأينا خلف معظم المعضلات التي تثخن جسد الحضارة الإسلامية بالجراح، على مستوى العقيدة و الفكر و العلم، والسياسة و الاقتصاد و الاجتماع، بل وعلى مستوى السيكولوجيا واللغة و الفن و الجمال"

كتاب السلطة في الإسلام للمستشار عبدالجواد ياسين كتاب دسم في مادته غني في محتواه معقد في تراكيبه، لم يقصر الكاتب فيه الحديث عن السلطة فحسب ولكنه ولج إلى العقل الفقهي السلفي - العقل المكوِّن لفلسفة السلطة كما نعرفها و نراها اليوم، بل العقل المكوِّن للعقل الإسلامي الجمعي إذا صح التعبير - وقدم إليه بكل جرأة ناقدا ومحللا.

يقدم المستشار قراءة نقدية تدعوا إلى وقفات جدية ومراجعة شاملة للمنهج و التصور الذي عمل به المسلمون في علم الأصول، فيأخذنا إلى مكامن فكرية جديدة بهدف إعادة تشكيل و تصحيح بعض الإشكالات الأصولية - كما يرى - متخذا تصحيح بعض المصطلحات و المفاهيم مدخلا لذلك، فيعيد تعريف مصطلحات كـ "الإسلام" و "السلف" و "النَّص" و "الإلزام" و "السنة". ثم يقدم مراجعة شاملة لتصورات خاطئة استقر عليها عقل المسلم في القرون العشرة الأخيرة بسبب السلطة أو نتاج قهرها.

لا شك بأن قضية السلطة من القضايا المحورية عند البشر بشكل عام، ولكنها تأخذ طابعا وجدانيا عند المسلمين بسبب ارتباط بعض الآرآء العقدية بها ارتباطا عضويا تكامليا، ولأنها كانت محور الافتراق المذهبي وانقسام الأمة انقساما نزفت بسببه كثيرا من الدماء.

وإذ يحق لي اقتباس جملة و أدعي بأنها ملخص المنهج الذي يطرحه الكاتب، فستكون هذه الجملة: "لقد قرأنا بعض الأحاديث في كتب السنة الصرف فلم نفهمها، فلما قرأناها في كتب التاريخ فهمناها، كما قرأنا أحاديث في كتب السنة الصرف فقبلناها، ثم قرأناها في كتب التاريخ فلم نقبلها".

كان قرار الكتابة حول الكتاب ليس سهلا، لخشيتي بأن تكون قراءتي مخلة لمادة الكتاب ، ولكني عقدت العزم على أمل تسليط الضوء فقط على ما جاء فيه دون أن أعد القارئ بأنه سيجد في هذه القراءة السريعة محتوى الكتاب بأكمله، وإن كان هناك خلل في ترابط الأفكار أو وضوحها فذلك خطأ أرجعه إلى قلمي.

فما هي السلطة إذن؟ وما دخل التاريخ بها؟ وما دخل التاريخ بالنص؟ وما هو "قانون النص" الذي يزعم الكاتب بأنه القانون الذي غفل عنه علماء الأصول على مر التاريخ؟

دعونا نقرأ سويا ...

* * *

المقدمة

عندما يتكلم المستشار عبدالجواد ياسين عن السلطة، فهو يتكلم عن الجانب "الشكلي" منها لا الجانب الموضوعي، "إذ ليست القضية في الحقيقة، ولم تكن قط، هي أن يحكم الإسلام أو لا يحكم، فذلك تحصيل حاصل لحقائق الإسلام الثابتة في النص والتاريخ على السواء". ولأن الكلام عن السلطة منطلق من المنظار الإسلامي له، أي من خلال نصوص الإسلام التشريعية، فإن المستشار يقدم تصوره للمنهج الذي يجب اتباعه لاستخراج "حكم الإسلام" في شكل السلطة.

"هل في الإسلام أجكام ملزمة، تعين شكل الحكومة، أو تشير إلى هيكل النظام السياسي في الدولة؟" هذا هو السؤال الذي منه يلج المستشار إلى كتابه. ويبدأ بتوضيح ثلاثة مفاهيم أساسية لكي "ينضبط على نحو محدد": مفهوم الإسلام، ومفهوم الإلزام، ومفهوم الشكل.
  • مفهوم الإسلام: إسلام النص وليس إسلام التاريخ. أي الإسلام النابع من الكتاب و السنة الصحيحة الثابتة، لا ما شرعه التاريخ بسلطته (ستتضح هذه الفكرة لاحقا).
  • مفهوم الإلزام: إن كان الاسلام هو "النص" أي الكتاب و السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله، فإن الإلزام لا يكون إلا على ما أتى فيه نص. وأما ما لم يأت فيه نص فالسكوت عنه نصا كذلك. أي أن تعمد سكوت الشارع عن قضية معينة يعني أنها تقع في دائرة المباح وليس من الإنصاف وضعها تحت دلالات أو تصنيفات كالندب أو الكراهة أو ما سواهما، لأن "السلف" هو واضع هذه التصنيفات لا النص، والسلف ليس هو المشرع بل النص.
    وللتدليل على هذه الفكرة فإن المستشار يضع أمامنا مسألة عزل الإمام "للفسق أو للظلم أو للفساد"، وكيف أن تحريم الخروج عليهم أو عزلهم جاء من منطلق " أن السلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع و الأعياد بإذنهم ولا يرون الخروج عليهم"، ولا يوجد بطبيعة الحال "نص" يؤيد هذا الحكم ولكنه جاء نتيجة الإذعان لفعل التاريخ – أو السلف !
  • مفهوم الشكل: "الخلافة – كمحتوى موضوعي – وبغض النظر عن إلزامية الإسم، هي فريضة لازمة بنصوص الإسلام. أما الخلافة – كنسق شكلي – فلا وجود لها في نصوص الإسلام. ولا وجود لها كذلك في تاريخه. لأن الذي أفرزه التاريخ في الحقيقة لم يكن نسقا شكليا واحدا و مضطردا، بل أنساقا متعددة ومختلفة في الجملة و التفصيل".


ثم يختم المستشار هذه المقدمة بتوضيح "أن السلطة لم تتشكل من خلال النص، وإنما تشكلت من خلال التاريخ. ليس ذلك فحسب بل إن تاريخ السلطة – من خلال "التنصيص السياسي" – قد لعب دورا جزئيا في تشكيل النص"! ولكي يستطيع تجاوز هذه الإشكالية – إشكالية التنصيص السياسي – كان منهج الكاتب هو قراءة السلطة في النص على ضوء التاريخ، ثم قراءة السلطة في التاريخ على ضوء النص. وبهذا المنهج فإن ما لم يفهم من النص المقروء في كتب السنة الصرف يصبح مفهوما عندما يقرأ في سياق كتب التاريخ.

يتبع...

09 أكتوبر 2008

العدالة الاجتماعية في الإسلام - ٢



من الواقع التاريخي في الإسلام - ١

تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن الفصول التأصيلية للعدالة الاجتماعية من منظورها الإسلامي كما يراها قطب. وفي هذا الجزء سنسلط الضوء على نماذج من الواقع التاريخي للمسلمين كما جاء في الكتاب ... ويشكل هذا الفصل وحده ربع الكتاب، وأهميته نابعة من النماذج المختارة والتي لا تدع مجالا للشك في عظمة هذا الدين، وفعله الجبار في نفوس الأولين والذين جاؤوا من بعدهم.
.
و قد ارتأيت أن أتحدث عن هذا الفصل في جزئين منفصلين. الأول نذكر فيه الملامح العامة لهذا الفصل وما اشتمل عليه، ثم أختم هذه القراءة في الجزء الثاني بالتركيز في ما عرف بمرحلة "الفتنة" من التاريخ الإسلامي، و تسليط الضوء على قراءة قطب لتلك الحقبة وما تبعها.
.
لنقرأ سويا ما جاء في هذا الفصل ...
.
***
.
الشخصية الإسلامية
.
من المهم أولا أن نفهم رؤية قطب للبطولات التي صاحبت الشخصية الإسلامية في مختلف مراحلها... يقول قطب: "هناك ما يصح أن نطلق عليه باطمئنان : ((روح الإسلام))!" ... وهذا الروح هو السر الذي أنجب للإسلام "كل هذا الحشد من الشخصيات العجيبة".... "هذا الروح هو الذي يرسم الأفق الأعلى الذي يتطلب الإسلام من معتنقيه أن يتطلعوا إليه، و أن يحاولوا بلوغه، لا بتنفيذ الفرائض و التكاليف فحسب، ولكن بالتطوع الذاتي لما هو فوق الفرائض و التكاليف"...... "أما دراسة هذه البطولات و الخوارق مفرقة، دون وصلها بهذا المنبع الأصيل٫ فأخشى أن تكون ناقصة و مضللة عن الحقائق الأساسية في الكون و الحياة، برجعها سر عظمة كل شخصية إلى عبقرية خاصة بها، و إهمال الروح الأول المشع المؤثر، ذلك الروح الذي مس أرواح الأبطال، كما مس عجلة الزمن، وطبائع الأحداث، و دفعها جميعا في تيار حي قوي جياش، تنغمر في لجه العبقريات و الوقائع و الأحداث"
.
بعد هذا يستوقفنا قطب للحديث في "شأن آخر أعمق في ضمير الإسلام" وهو "اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على ضمير الفرد، و الحساسية المرهفة التي يثيرها في شعوره". ثم يذكر لنا نماذج متفرقة للتدليل على هذه اليقظة، فيذكر لنا ماعز و المرأة الغامدية و "الباعث القوي الذي غلب في أنفسهما على رغبة الحياة". ثم قصة عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيش في الشام - وهو الذي لم يهزم في معركة قط - و كيف تلقاها بروح المؤمن المحتسب "فبقي في المعركة بالعزيمة ذاتها"، ومن جانب آخر الباعث الذي جعل عمر بن الخطاب يأمر بهذا الأمر، فقد "أخذ على خالد في خلافة أبي بكر أشياء ثار لها ضميره، وهاجت له حساسيته" وهو تسرع خالد في قتل مالك بن نويرة و إعراسه بإمرأته و أيضا زواجه من ابنه مجاعة في حرب مسليمة الكذاب و قد قتل ألف و مئتين من خيرة الصحابة.
.
قطب و محمد حسين هيكل
.
يقف سيد وقفة مطولة لمناقشة ما قاله هيكل في كتابيه "الصديق أبو بكر" و "الفاروق عمر" حول اختلاف الرأي بينهما في إبقاء خالد أو عزله، إذ يرى هيكل "أنه كان اختلافا في السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف" فعمر "يرى أن خالدا عدا على امرئ مسلم، ونزا علة امرأته قبل انقضاء عدتها، فلا يصح بقاؤه في الجيش حتى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين" و أما أبو بكر " فكان يرى أن الموقف أخطر من أن تقام لمثل هذه الأمور وزن" ... ثم يرد قطب على هذه المقولتين و تفصيلهما فيقول:"هذه قولة رجل لم تمس روحه روح أبي بكر ولا روح عمر، ولم تستطع حياته في جو الإسلام فترة أن تنتزعه من ملابسات القرن العشرين، وما فيه من التواءات و احتيالات و انتهازات فرص على حساب الضمير أو حساب الحق أو حساب الدين". ثم يدافع عن عمر و أبي بكر "مثل هذا قد يصنعه ملوك بني أمية أو ملوك بني العباس، ويعده الناس منهم دهاء و سعة حيلة، فأما عمر فلا، وأما أبو بكر فلا كذلك. وإنما يظن بعضهم بهما هذا الظن لضحالة روح العصر و هبوط مقاييسه و معاييره!"
.
ويستمر قطب في ذكر نماذج علو الروح الانسانية في ضمير المسلم، فيصور لنا مشهد عمر بن الخطاب و هو يحمل قربة ماء على ظهره في السوق، وعندما يسأل يقول "أعجبتني نفسي فأحببت أن أذلها". ثم يذكر علي بن أبي طالب "وهو يرعد من البرد في الشتاء، ثم قصة أبو عبيدة مع جنده في عمواس و قد أصابها الطاعون فيرفض أن يترك جنده لننجاة بجلده .... وكلها أمثلة للتأكيد على حياة ضمير أولئك الأوائل، وكيف فعل الاسلام فيهم فعلته، فكانوا خير أمة أخرجت للناس!
.
نماذج العدالة الاجتماعية
.
أما عن نماذج العدالة الاجتماعية في الإسلام، فقد أورد قطب عدة موضوعات رئيسية منها انبثقت هذه النماذج، وهذه الموضوعات هي:
١- الرقيق و معاملتهم
٢- معاملة الأعلين من الناس
٣- معاملة البلاد المفتوحة
٤- الرحمة و البر و التكافل الاجتماعي
.
ولم تقتصر النماذج على العصر الذهبي أو الذي يليه كما قد يتبادر إلى الذهن، بل اشتملت على نماذج متفرقة من التاريخ الإسلامي منذ عصر النبوة إلى التاريخ القريب من عصرنا هذا. وكل هذه النماذج تشير إلى أن الخير باق في الأمة، ولكن نحتاج لمن يبرزها للناس لكي تتطلع نفوسهم إلى بلوغ ذلك العلو الذي وصل إليه ليس الصحابة فحسب، ولكن أناس مثلهم حولهم و بينهم، وصلوا إلى ما وصلوا إليه بضميرهم الإسلامي اليقظ الحساس!
.
***
.
في الجزء الثالث من هذا المقال ستكون القراءة منحصرة في المنطقة المحظورة من التاريخ الاسلامي كما ذكرت من قبل، و سيتركز الحديث حول سياستي الحكم و المال بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم. وقد وجدت هذه الصفحات المتبقية أكثر حرارة من غيرها، لأن سيد قطب خالف فيها بعض المسلمات التي سلمت بها بعض الفرق الاسلامية في قراءتها للتاريخ الإسلامي. بل إن آرآء قطب التي سنذكرها في الجزء الثالث كانت بابا لهجوم شرس على سيد قطب نفسه!
.
يقول إبن باز تعليقا على ما جاء في كتاب "كتب و شخصيات" لقطب، و قد أورد فيه كلاما شبيها بالذي أورده في كتابنا هذا: "كلامه في الصحابة خبيث، و يجب أن تمزق كتبه"!
..
فما الذي قاله قطب ؟ و لماذا أغضب رأيه علماء السلفية الحديثة تحديدا ؟ هل في كلامه مخالفات حقا ؟ أم أن رأيه المضبوط البنيان و القوي الحجة شكل خطرا على ما حاول "وعاظ السلاطين" على مر التاريخ رسخه في العقل الجمعي للمسلمين؟
.
هذا ما سنقرأه سويا في الجزء الثالث من هذه القراءة ...

25 سبتمبر 2008

العدالة الاجتماعية في الاسلام - 1



العدالة الاجتماعية في الاسلام ، كتاب مهم للعقلية المسلمة المعاصرة، العقلية التي استيقظت و لا يوجد في العالم - باتساع رقعته - تطبيق حقيقي للعدالة الاجتماعية بالمفهوم الاسلامي لهذه العدالة. وليس بعيد أن يستوي قارئ الكتاب بعد إتكاء، وأن يفتح عينيه بعد إغماض، استغرابا مما سيقرأ بين طيات هذا الكتاب! ولا أراني مبالغا فيما أقول، فسياسة الحكم و سياسة المال - محوري العدالة الاجتماعية الأبرز - قد إنحرفا عن النهج الإسلامي منذ وقت مبكر في تاريخ هذه الأمة، وتحديدا منذ استلام بني أمية للخلافة، وبقي كما هو على مر العصور ليترسب في ذهن المسلم بأن التشريع في هذه القضية منعدم أو غير صالح لواقعنا المعاصر. وهو ما سيفنده المفكر الإسلامي "سيد قطب" كما سنرى من خلال هذه القراءة المتأنية لما بين دفتي الكتاب.
.

***.
من حيث الطرح فإن الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام أساسية، القسم الأول يبين فيه المؤلِف سبب المؤلَف. و القسم الثاني يحتوي على الفصول التأصيلية لفكرة العدالة الاجتماعية من المفهوم الإسلامي لها. أما القسم الثالث فقراءة في واقع التاريخ الاسلامي، ما له وما عليه، وكيف حادت الأمة عن الجادة مع بقاء "روح الاسلام" في الضمير العام و ظهوره بين الفينة و الأخرى.

***
هـــذا الكـتـاب
***

يشن سيد قطب في الفصل الأول: الدين و المجتمع بين المسيحية و الإسلام هجوما شديدا على فئتين من الناس، الفئة الأولى تدعي بأن الاسلام هو دينها و لكنها تُقصي هذا الدين من حياتها العملية، والفئة الثانية تدعي بأن الدين مخدر للشعوب ليس إلا. فيرد سيد قطب هاته المقولتان بالدعوة إلى الرجوع إلى نشأتهما ... "ذلك أن قصة العزلة بين الدين و الدنيا لم تنبت في العالم الإسلامي، ولم يعرفها الاسلام، وقصة تخدير الدين للمشاعر لم تكن يوما وليدة هذا الدين، ولم تعرفها طبيعته".
..
فيأخذنا إلى القرون الماضية لنرى كيف نشأت المسيحية في ظل الإمبراطورية الرومانية وكيف أن المسيحية "لم تتمثل هنالك قط في نظام يهيمن على الحياة كلها، و يربط ملكوت الأرض بملكوت السماء" بسبب طبيعة حياة الرومان الذين ورثوا الحضارة الإغريقية المادية الوثنية، فلم يستسيغوا فكرة الدين و ولم يرو أصلحيته للحياة "فقالوا: إن الدين صلة ما بين العبد و الرب".
..
ثم تطورت المسيحية إلى "سلطة مقدسة تملك رقاب الناس في الدنيا و في الآخرة" ، حتى جاء عصر الإحياء في أوروبا وتقتحت الأذهان مما شكل خطرا جسيما على سلطة الكنيسة فقامت تكمم الأفواه وإحراق العلماء، "ومن هنا كانت الجفوة بين الدين و العلم، وبين الكنيسة و الفكر، في حياة الأوروبيين!"
..
ثم تطورت الحياة "و تضخمت رؤوس الأموال، و أصبح في ميدان العمل معسكران منفصلان: معسكر أصحاب رؤوس الأموال، ومعسكر العمال"، فانضمت الكنيسة إلى معسكر رأس المال، و استخدمت الدين لتخدير الطبقات الكادحة و تصدها عن الثورة لحقها. "ومن هنا كان العداء الجاهر الصريح بين الشيوعية و الدين".
..
ثم يقارن سيد قطب هذه النشأة وهذا المسار بنشأة الإسلام ومساره و طريقته، فيوضح لنا أولا كيف أن الإسلام و الحياة جزءان لا يتجزءان عن بعضهما البعض، فالإسلام "لا يعد العبادة فيه هي مجرد إقامة الشعائر، إنما هي الحياة كلها خاضعة لشريعة الله". ثم يبين بأن الإسلام "لا كهانة فيه و لا وساطة بين الخلق و الخالق" و بالتالي "فلا صراع بين علماء الدين و السلطان على رقاب العباد و لا أموالهم" كما كان الحال بين الأباطرة و البابوات.
..
وبعد هذا التبيان، فإن قطب يحدد بدقة السبب الذي من أجله كتب الكتاب، وهو الرد على كل من يدعي بأن النظام الاجتماعي في الاسلام لا يصلح إلا في العصر الذي نزل فيه القرآن. و سنرى و إياكم صدق هذا الادعاء من كذبه في الفصول القادمة..
.
***

تأصيـــل المنــــهج
*** .
قبل الولوج في طبيعة العدالة الاجتماعية يقوم سيد قطب بالحديث عن التصور الإسلامي للألوهية و الكون و الحياة و الإنسان "فليست العدالة الاجتماعية إلا فرعا من ذلك الأصل". والتصور الإسلامي الصحيح عند قطب "لا يلتمس عند ابن سينا أو ابن رشد أو الفارابي وأمثالهم ممن يطلق عليهم وصف (فلاسفة الاسلام)، ففلسفة هؤلاء إنما هي ظلال للفلسفة الإغريقية غريبة في روحها عن روح الإسلام".
.
وفي هذه المقدمة الخاطفة عن طبيعة العلاقة بين الخالق و الخلق، و طبيعة العلاقة بين الكون و الحياة و الانسان، وطبيعة العلاقة بين الانسانية مع بعضها البعض: أفرادا و جماعات و أجيال ... يبين لنا بأن العلاقة بين الخالق و الخلق هي "الارادة المباشرة التي تصدر عنها المخلوقات جميعا، فلا واسطة بينها من قوة أو مادة". و أما العلاقة التي تجمع بين الانسان و والكون و الحياة فهي علاقة تناغم و تكامل"فليس الكون عدوا للحياة ولا عدوا للإنسانية ... وليست وظيفة الأحياء أن يصارعوا الطبيعة". وأما علاقة الانسانية فهي "وحدة تفترق أجزاؤها لتجتمع، وتختلف لتتسق، وتذهب شتى المذاهب لتتعاون في النهاية بعضها مع بعض، كي تصبح صالحة لتتعاون مع الوجود الموحد".
.
أما عن طبيعة العدالة الاجتماعية في الاسلام، فهي ليست مقصورة على التساوي في الرزق، بل "إن العدل المطلق يقتضي أن تتفاوت الأرزاق". وذلك لأن الاسلام ينظر إلى العدالة "نظرة شاملة لكل جوانب الانسانية و مقوماتها، وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة". فهناك إذن قيم أخرى غير الاقتصاد ينظر إليها الاسلام و يحسب لها حسابها و يجعلها هي الميزان الذي توزن به العدالة بين الناس.
.
ثم ينتقل قطب إلى أسس العدالة الاجتماعية في الاسلام، وهي ثلاث، أولها: التحرر الوجداني، من عبادة أحد غير الله فلا يملك أحد على الانسان غير الله سلطان. ونتيجة هذا الايمان أن الفرد لن "يتأثر بشعور الخوف على الحياة أو الخوف على الرزق أو الخوف على المكانة ... وهو شعور خبيث يغض من إحساس الفرد بنفسه" بل لا يجوز شرعا "أن يُذل الاسترزاق رقاب الناس، فإنما رزقهم بيد الله، و بيد الله وحده!". و التحرر الوجداني يشمل كذلك التحرر من عبودية القيم الاحتماعية، كقيم المال و الجاه و الحسب و النسب. فهي قيم قد تشل حركته وقد تزرع فيه شعورا بالعبودية أو شعورا بالاستعلاء، وكلا الشعورين يختفيان عندما يعلم الفرد بأن هذه القيم ليست من وحي السماء ... بل القيمة الحقيقة هي التقوى ... ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)). وأخيرا فعلى الفرد أن يتحرر من شهوات النفس و لذاتها، وهذه ليست دعوة للزهد في الحياة كما يتوهم البعض فذاك "تفسير المحترفين من رجال الدين في عصور الاستبداد لتنويم الشعور العام، وكفه عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية" وإنما "دعوة للتحرر و الانطلاق من ضعف الشهوات و الغرائز٫ ثم لا ضرر بعد ذلك من الاستمتاع بالحياة حين يملكها الانسان و لا تملكه".
.
وثاني أسس العدالة الاجتماعية في الاسلام هو: المساواة الانسانية. فقد جاء الاسلام ليقرر "وحدة الجنس البشري في المنشأ و المصير، في المحيا و الممات، في الحقوق و الواجبات، أمام القانون و أمام الله، في الدنيا و الآخرة، لا فضل إلا للعمل الصالح، ولا كرامة إلا للأتقى". وينطبق هذا الكلام على المساواة بين الجنسين، فقد كفل الاسلام للمرأة "مساواة تامة مع الرجل من حيث الجنس و الحقوق الإنسانية، ولم يقرر التفاضل إلا في بعض الملابسات المتعلقة بالاستعداد أو الدربة أو التبعة". وكذلك "فإن للجنس البشري كله كرامته، التي لا يجوز أن تستذل".
.
أما عن ثالث أسس العدالة فهو: التكافل الاجتماعي. "فللمجتمع مصلحة عليا لا بد أن تنتهي عندها حرية الأفراد" و الاسلام يقرر "مبدأ التكافل في كل صوره و أشكاله. فهناك التمافل بين الفرد و ذاته، وبين الفرد و أسرته القريبة، وبين الفرد و الجماعة، وبين الأمة والأمم، وبين الجيل و الأجيال المتعاقبة أيضا".
.
و بعد هذه الاسس فإن قطب ينقلنا إلى فصل جديد للحديث عن وسائل العدالة الاجتماعية في الاسلام. وهي وسيلتين أساسيتين: أولهما الضمير، فجاء الاسلام يهذب هذا الضمير و يغذيه و يوجهه إلى الغايات الأسمى للوجود. وثانيهما التشريع، الذي من خلاله ينتظم أمر المجتمع. وضرب لنا مثلا في الزكاة للتدليل على كيفية استخدام الاسلام لهاتين الوسيلتين للوصول إلى العدالة الاجتماعية الحقة.
.
***
سياسة الحكم و سياسة المال في الاسلام
***
بعد تأصيل المنهج، يأتي الحديث عن سياسة الحكم و سياسة المال في الإسلام...
.
أما عن سياسة الحكم، فبعد التقرير على أن الحاكمية لله وحده، ولا أحد سواه، ومن ثم التقرير بأنه المشرع وحده، دون سواه: فإن الحكم في الاسلام بعد هذا قائم على الأسس التالية: "العدل من الحكام، والطاعة من المحكومين، والشورى بين الحاكم و المحكوم". و أفرد قطب لكل واحد من هذه الأسس بضع صفحات، و قد ذكر فيما ذكره بأن "ليس هناك مبرر لأن يفهم أحد أن الحكم في الإسلام يحتاج إلى أكثر من تنفيذ الشريعة الإسلامية، بعد إفراد الله سبحانه بحق الحاكمية"، وبرهن على أن ليس للحاكم حق زائد في "الحدود، ولا في الأموال، وليس لأهله حق فيها غير ما لرجل من عامة المسلمين" وهو كلام مهم، خاصة حينما نرى ما نراه من بذخ و سوء تصريف للأموال من قبل حكامنا المعاصرين، وكأن المال مالهم لا مال الله الذي استُخلفوا فيه و حُملوا أمانته... و لكن ليست هذه هي الإشكالية ... المصيبة هي أن ينجح هؤلاء في تخدير العامة وإيهامهم بأن هذا هو حقهم المشروع ... وهو في الإسلام ليس كذلك!
.
وأما عن سياسة المال، فقد شرع الاسلام حق المال على الفرد وهو لا يتجاوز الزكاة عندما تكون الدولة الإسلامية في غنى عن غيره، "ثم جعل للإمام الحق في أن يأخذ بعد الزكاة ما يمنع به الضرر، و يرفع به الحرج، ويصون به المصلحة لجماعة المسلمين، وهو حق كحق الزكاة، عند الحاجة إليه". ومن جانب آخر فقد وجه الاسلام النفس إلى بذل ما هو أكثر من الزكاة "فقد حبب إلى الناس أن ينسلخوا من كل مالهم، و ينفقوه كله في سبيل الله". وأسهب قطب في الحديث عن الملكية الفردية و فريضة الزكاة، وأخيرا ختم الفصل بالحديث عن الفرائض في المال التي تجب غير الزكاة.
.
***
.
وهكذا ينتهي التأصيل للعدالة الإجتماعية من منظورها الإسلامي، و ينتهي الحديث عن سياستي الحكم و المال في الإسلام ... وننتقل بعدها إلى قراءة للواقع التاريخي، ومدى اقتراب الأمة و ابتعادها عن النهج والشرع الذي منَّ الله لها به!
.
وحتى لا يطول الموضوع كثيرا فيصيب القارئ بالسآمة و الملل، وحتى أعطي ما تبقى من الكتاب حقه من الحديث، فقد اخترت أن أفرد له رسالة منفصلة عسى أن أوفق في إكمالها قبل العيد.




21 سبتمبر 2008

الصـــراع الأبـــدي

الصراع الأبدي ليس كتابا تأريخيا مع أنه يتناول أحد أكثر القضايا التاريخية حساسية عند المسلمين، إذ لم يعمد صاحب الكتاب - الدكتور زكريا المحرمي - إلى أسلوب السرد التاريخي المتسلسل الجامد، بل اتجه إلى التحليل و التمحيص و الخروج بتساؤلات و نظريات حول القضايا الخلافية التي يتناولها هذا البحث. ويزعم الكاتب بأنه أسس "منهج كلّي شمولي متكامل لتوجيه القراءة التاريخية نحو آفاق المعرفة السليمة و المنضبطة بعيدا عن رياح العاطفة و هياج التعصب و الطائفية".
.

الكتاب عبارة عن "قراءة تحليلية في جدليات الصراع السياسي بين الصحابة و انقسام المواقف حولها" و يقع في خمسة أقسام رئيسية سنتناول كلا منها على حدة في هذه القراءة السريعة للكتاب.
.
***
.
القسم الأول: تأسيس المنهج
.
وقد يكون هذا القسم هو أهم ما في الكتاب، لأن كل ما سيأتي بعده سيكون تطبيقا للمنهج الذي اقترحه المؤلف في هذا القسم. و أول القضايا المطروحة هي قضية العلم و الظن. فالعلم مقرون بالجزم، أما الظن فيبقى ظن و لا يمكن تأسيس شيء عليه لعدم ثبوته وصعوبة الجزم به. والعلم الجازم نفسه ينقسم إلى قسمين كما قسمه علماء الكلام، العلم الضروري أو البديهي وهو ما جزمنا بصحته بسبب تواتره (كمعرفة البشرية بسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و أن القرآن نزل عليه و أنه كان في مكة)، و القسم الثاني هو العلم النظري أو الكسبي الذي جزمنا بصحته بسبب الأدلة التي دلت عليه (كربانية مصدر القرآن الكريم و التي دل عليها إعجاز القرآن نفسه) وهو ما حول الخبر الآحاد - الذي جاء به محمد- إلى خبر يقيني لا جدال و لا مراء في صحته.
.
ثم ينتقل المؤلف إلى تعريف الخبر المتواتر الذي يشترط فيه العقل و المشاهدة و العدد و استحالة التواطؤ على الكذب. و الخلاف في ثبوت التواتر - بالاضافة إلى العدد الذي يحصل بهم التواتر - هو الشرط الأخير المذكور. إذ يرى الكاتب بأن ما يرويه أصحاب المذهب الواحد - مهما كثر عددهم - لا يرتقي إلى درجة التواتر إذا كان هناك ما يخالفه أو يناقضه عند مذهب آخر ومثّل على ذلك بإمكانية تواطؤ جيش بأكمله على كذبة نصرة لقضية يحارب الجنود من أجلها، ولهذا فإنه يصطلح على مثل هذه الأخبار بالأخبار "المشهورة مذهبيا"، وهي أخبار ظنية الثبوت لا جزم فيها.
.
ثاني القضايا التي أراد المؤلف أن يؤسس لها منهجا جديدا هي قضية الولاية و البراءة. وأهم ما جاء في هذا القسم هو أن الولاية و البراءة - مع فرضيتهما - لا يستلزمان الحب و البغض، و لكنهما يعبران عن "ممارسة عقلية واعية". بمعنى آخر هي ممارسة - أو عدم ممارسة عند الحديث عن البراءة -" لحلف سياسي إجتماعي دون ارتباط هذه الممارسة بالمعاني الوجدانية كالمحبة و المودة أو البغض و الكراهية المتعلقة غالبا بالمواقف الشخصية المجردة". والذي يريده الكاتب من هذا التعريف هو" فهم و استيعاب سيكيولوجيا احتراب الصحابة،و تفسير كثير من المواقف التي حدثت في تلك الحقبة من الزمن"
.
أما ثالث قضية فهي الصحابة و القول في عدالتهم. وقد استفاض المؤلف في هذا الفصل مناقشة مفهوم الصحابة عند أهل الحديث، و رد عليهم ما استدلوا به من القرآن و السنة النبوية القول بعدالة كل فرد من أفراد الصحابة لأنه - أي عند الكاتب - "وقوع في فخ قدسية الأشخاص وهو عين القول بالعصمة و إن لم يصرح بها". غير أن المؤلف يعود فيأكد على عدالة عموم الصحابة و إلا لما وصل الشرع إلينا بالعلم اليقيني المتواتر، لأن "عدالة المجموع يشكل سدا أمام أية محاولة لتشويه الشريعة وتحريف نصوص الكتاب".
.
ثم يعرج الكاتب إلى قضية الرسول صلى الله عليه و سلم و الإنباء بالغيب، وخلاصة المنهج الذي يريد الكاتب تأسيسه في هذا الفصل هو عدم قبول المرويات التي جاءت من خلال كتب السنة النبوية تُنبئُ بالغيب، لتعارضها الصريح مع ما جاء في القرآن بأن علم الغيب خاص بالله عز و جل. والذي يمكن قبوله مما نسب إلى الرسول هو ما جاء إستقراء للواقع وتخمينا للنتائج.
.
وأخيرا يخبرنا الدكنور زكريا في آخر هذا الفصل بأنه إختار منهج "القواعد الكلية" للتعامل مع النصوص التشريعية، وهو منهج "يستوعب جميع المبادئ التي قامت عليها المناهج السابقة (أي منهج التعامل الحرفي مع النصوص، ومنهج القياس الشرعي، و منهج استظهار المقصد الشرعي) ويقوم بالريط بينها و بصورة تكاملية تتجاوز الخلل و النواقص في كل منها".
.
***
.
القسم الثاني: القراءة التاريخية للأحداث السياسية في عصر الصحابة
.
من خلال المنهج الذي أسسه الدكتور زكريا في القسم الأول، فإنه يطوف بنا في جولة طويلة ومتأنية للأحداث الرئيسية التي اختلف فيها الصحابة (و المذاهب الاسلامية فيما بعد) منذ وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم إلى بيعة الحسن بن علي. فيبدأ ببيعة أبي بكر الصديق و الشبه التسع المثارة حول إمامته. ثم إلى خلافة عمر بن الخطاب و الشبه الأربع المثارة حول خلافته و سيرته.
.
ثم انتقل الكاتب إلى خلافة عثمان بن عفان وما وقع فيها من أحداث، و جادل في هذا الفصل المطاعن التي طُعنت على عثمان بن عفان كإحراق المصاحف وضرب عمار بن ياسر و عبدالله بن مسعود و أبي ذر الغفاري ونفيه. كما تحدث عن الأسباب الحقيقة للثورة على عثمان ثم تحدث عن مقتله، و نبه على أنه - من خلال استقراء الأحداث - فإن حادثة مقتل الخليفة " ليست بالضرورة مرتبطة بأحداث الثورة و رموزها"، فقد كان من قادة الثوار من يعارض فكرة حصار بيت الخليفة - كالأشتر النخعي - كما أن حادثة إغتيال الخليفة نفسها قد قيدت" في سجلات محكمة التاريخ ضد مجهول".
.
بعدها انتقل إلى خلافة علي بن أبي طالب، وناقش حرب الجمل ثم معارك صفين و النهروان، وأسهب في الحديث عن أهل النهروان - القراء - ولماذا سموا بهذا الاسم، وكيف ان عملية وصفهم بالخوارج ما كان إلا "في سياق الحرب التعبوية التي شنها علي بن أبي طالب ضد خصومه المنشقين عن قبائلهم حين خرجوا عن جيشه"، ورد كذلك على وصف بعض المؤرخين لأهل النهروان - ولو من باب الإعذار - بالحماقة و السذاجة و الجلافة فالحقائق التاريخية تدل على أنهم لم يكونوا كذلك بل تدل على كونهم "امتدادا لفقهاء الصحابة". ثم قام المحرمي باستقراء و تحليل الأسباب الحقيقية وراء معركة النهروان التي لم يستفد منها أهل النهروان أنفسهم و لا علي ابن أبي طالب بل كان معاوية بن أبي سفيان هو المستفيد الأوحد و الأكبر منها، فلا يستبعد بأن يكون معاوية الذي قال: "لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش و لا عناء" قد استخدم أحد قادة جيش علي (الأشعث بن قيس) و الذي شكك بعض الباحثين في ولائه لعلي، لتفتيت جبهة جيش العراق من الداخل.
.
وقد ناقش المحرمي أيضا قصة المخدّج و علاقته بأهل النهروان، فالرسول صلى الله عليه و سلم لا يتنبأ بالغيب كما أُسس في القسم الأول، وغاية ما يقال في هذه الحديث و الذي جاء في بعض رواياته خاليا "من تلك الزيادات المتكلفة والتي تزعم علم النبي صلى الله عليه و سلم" هو استقراء النبي "ظهور طبقة المحتالين الذين يدعون الحديث باسم الاسلام وهو منهم براء". كما أن علي بن أبي طالب قد عرف عنه بأنه كان يقول الحديث إما نقلا عن الرسول و إما دعاية حربية، وأنه كان يفرق فيما بين الاثنين بقوله " صدق الله و رسوله" إن كان قوله دعاية حربية، وهو ما ثبت قوله لهذه العبارة عندما رأى المخدج، و" رواية علي لرواية المروق بعد قوله (صدق الله و رسوله) لا علاقة لها بشخصية المخدج". ثم اختتم الحديث في هذا الفصل بما ثبت عن ندم علي بعد قتله لأهل النهروان ثم مقتله و الدراما المسرحية التي استخدمت لإلصاق تهمة مقتله ببقايا أهل النهروان، و أخيرا بيعة الحسن بن علي و الصلح مع معاوية.
.
ولا يفوتني أن أشير بأن المحرمي قد طرح تساؤلا مثيرا حول حقيقة الدور الذي قام به مروان بن الحكم و إن كان "أحد مدبري الفتنة العظيمة التي طحنت الأمة الاسلامية إلى يومنا هذا؟ ربما!" ... "غريب أمر مروان هذا؟ الكل اتهمه بتوريط الخليفة السابق - عثمان بن عفان - بسياسات مالية و إدارية أدت إلى إلى مقتل الخليفة، و اتهمه ابن تيمية بتوريط الخليفة عن طريق تلفيق كتاب بقطع رؤوس وفد مصر، و اتهمته السيدة عائشة بمحاولة تفريق الزبير و طلحة و قالت له " "مالك؟ اتريد أن تفرق أمرنا" ، وها هو الآن يطلق صواريخ أسهمه نحو طلحة الذي خرج معه و تركه في منتصف الطريق، ماذا يريد مروان؟ ولماذا يشارك في كل هذه الفتن؟ لمن يعمل مروان و ما هي أهدافه الاسترتيجية؟"
.
***
.
أما الأقسام الثلاث الأخيرة فتتحدث بشيء من التفصيل عن الصحابة عند مدارس أهل السنة و الجماعة ثم عند مدارس الشيعة و أخيرا عند المدرسة الاباضية.
.
***
.
الكتاب يستحق الوقت الذي قضيته في قراءته، لأنه يطرح تساؤلات، و التساؤلات بطبيعة الحال تدعو إلى التفكير، و التفكير يدعوك إلى التعمق في الموضوع و بالتالي تتحرك النفس باتجاه البحث و التحري و أخيرا الوصول إلى نتائج و قناعات.